من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٢ - إنما نطعمكم لوجه الله
والذي يتفكر في وجود الإنسان يجد أنه أسير لله تكوينيًّا وعمليًّا، فهو من جهة محكوم بقوانين تكوينية كالنمو والتنقل من مرحلة إلى أخرى قسرا عنه، والدورة الدموية ودقات القلب وحركة الجهاز الهضمي والكبد و ..، ومن جهة أخرى هو أسير تدبير الله وسننه في الحياة، لا يستطيع أن يقاوم الموت مثلا .. وقد وجدت إشارة إلى هذا التفسير لدى العلامة الطباطبائي إذ قال
والآية في معنى دفع الدخل، كأنَّ مُتَوَهِّمًا يتوهم أنهم بحبهم للدنيا وإعراضهم عن الآخرة يعجزونه تعالى، ويفسدون عليه إرادته منهم أن يؤمنوا ويطيعوا، فأجيب بأنهم مخلوقون لله، خلقهم وشد أسرهم إذا شاء أذهبهم وجاء بآخرين، فكيف يُعجزونه وخَلْقُهم وأمرهم وحياتهم وموتهم بيده؟!]
[١]. وأظهر آيات أسر الله للبشر هو الموت الذي قهرهم به، فهو يُميتهم حيثما شاء وكيفما أراد، ويأتي بغيرهم دون أن يقدر أحد على رد إرادته، إذ
تَوَحَّدَ بِالْعِزِّ وَالْبَقَاءِ وَقَهَرَ عِبَادَهُ بِالْمَوْتِ وَالْفَنَاء] [٢].
«وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا» أي جئنا بآخرين أمثالهم بديلا عنهم، بإهلاكهم، أو بجعل الجدد حاكمين عليهم. وإنما ذكرت كلمة الأمثال هنا- وفي موارد متشابهة- للإشارة إلى صفاتهم وأن من كان بصفة العجز والضعف والمحدودية- أمثال هؤلاء- لا يُعجزون الله شيئا، لأن بيده أسرهم وهو قادر على تبديلهم. علما بأن كلمة المثل تدل على الشبيه ولكن بلحاظ مواصفاته وطبائعه، والله العالم.
وحري بالإنسان الذي يأتي عليه الموت أن يفكر فيما بعده من مستقبل، ويستعد له، باتباع الحق والصراط المستقيم الذي هو السبيل إلى رضوان الله، الذي بيده الأمر والحكم وإليه المصير. «إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ» أي التي طرحتها الآية السابقة وكل آيات السورة. والموقف السليم منها أن يهتدي بها البشر إلى الإيمان بربه، واتباع سبيله المتمثل في رسالته وأوليائه وحزبه.
«فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا» وتأكيد مشيئة الإنسان هنا هو تقرير لحرية الاختيار عنده، ومسؤوليته عن مصيره، فالاختبار بيده يتبع أي سبيل شاء سبيل الشكر أو سبيل الكفر، وله الغنم وعليه الغرم.
«وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» لأن المخلوقين لا يمكنهم أن يملكوا إرادة ذاتية أبدا، فهم حيث يشاؤون فوسائل مشيئتهم من عقل وإرادة وجوارح كلها من عند الله، ولا تنشأ لمخلوق مشيئة دون إذنه، فيسلب البعض توفيق الهداية ويهبه لآخرين. ولكن ليس اعتباطا، بل على أساس علمه بحال المخلوق وحكمته البالغة «إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً» فتعليقه لمشيئة المخلوق على مشيئته لا يعني الجبر، لأن ذلك يلغي دور الإنسان ومسؤوليته، كما
[١] تفسير الميزان: ج ٢٠، ص ١٤٢.
[٢] بحار الأنوار: ج ٩١، ص ٢٤٢. من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام.