من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٠ - إنما نطعمكم لوجه الله
الضروري للإنسان وهو يمارس الحياة ونعمة الوجود أن يعرف أن الابتلاء جزء من وجوده، من دونه تصبح حياته بلا معنى بلا روح وبلا هدف .. تماما كتفاحة فاسدةلا تغني أو تسمن من جوع، أو كماء آسن لا ينفع سقيا ولا طهورا. وإطلاق كلمة الابتلاء يدلنا على أن الإنسان ممتحن بكل شيء يتصل به خيرًا كان أو شرًا، وأول ما يبتلى به نعمة الخلق، فهل يشكر ربه عليها حيث خلقه وأوجده ولم يكن شيئا مذكورا أم يقابله بالجحود والكفران؟ قال الإمام الباقر عليه السلام
إن النبي قال لعلي عليه السلام: قُلْ مَا أَوَّلُ نِعْمَةٍ بَلَاكَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْعَمَ عَلَيْكَ بِهَا، قَالَ: أَنْ خَلَقَنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَمْ أَكُ شَيْئاً مَذْكُوراً قَالَ: صَدَقْت] [١].
وحيث أراد ربنا امتحان الإنسان وَفَّر من جهته الشروط والمستلزمات التي تجعل البشر مسؤولا عن الامتحان فتكون حجة عليه عندما يكفر، ووسيلة لصالحه عندما يريد الإيمان والشكر «فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً»، والسمع والبصر نافذتان لعقل الإنسان على الخليقة، وهما أهم أدوات المعرفة عنده، وبالتالي أبرز وسائل الاختيار، فبسمعه يتلقى نصائح الآخرين وتجاربهم، وببصره وبصيرته يرى ويقلِّب وجوه الأمور ثم يختار لنفسه الموقف والطريق، وذلك يكفي دافعا يحمِّله المسؤولية ويقيم عليه الحجة، ولكن الله أبى إلا أن تكون له الحجة البالغة عليه فهداه السبيل مبينا له الحق والباطل والصواب والخطأ «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ» فمعالم الطريق الصحيح بيِّنة وواضحة للبشر، هداه الله إليها بالفطرة والعقل والرسالات والرسل، ولكنه لم يجبره لكيلا يتنافى وحكمة الابتلاء، وإنما جعل القرار موكولا إليه يختار أحد الطريقين
«إِمَّا شَاكِراً» يتبع فطرته وعقله وهدى ربه، الذي هو السبيل الذي يسَّره له، فيشكره على كل نعمة، ومن شكره طاعته. «وَإِمَّا كَفُوراً» لا يسمع نداء الحق، ولا يبصر الطريق ولا يسلكه، فلا يشكر ربه على نعمه. وإنما عبَّر الله بالشكر والكفر عن الهدى والضلال لأنهما الأساس والمعول، فكل ضلال وكفر وانحراف في حياة البشر هو كفران لنعم الله عليه، وكل هدى وإيمان وعمل صالح هو شكر. قال حمران بن أعين: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً» قَالَ
إِمَّا آخِذٌ فَهُوَ شَاكِرٌ وإِمَّا تَارِكٌ فَهُوَ كَافِرٌ]
[٢]. وحينما يكفر الإنسان بربه ونعمه فإنه يصير إلى عذاب شديد أعده الله لكل كفور.
«إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلًا وَأَغْلالًا وَسَعِيراً» قال القرطبي
السلاسل: القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعا]
[٣]، وقال الرازي
السلاسل تشد بها أرجلهم، وأما
[١] بحار الأنوار: ج ٦٧، ص ٢٠.
[٢] الكافي: ج ٢ ص ٣٨٤، تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٩٨.
[٣] الجامع لأحكام القرآن: ج ١٩، ص ١٢٣.