من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٩ - إنما نطعمكم لوجه الله
ولقد فسر أئمة الهدى هذه الآية عدة تفاسير مما كشف عن أبعادها المتنوعة، فعن مالك الجهني قال
سألت أبا عبد الله الإمام الصادق عليه السلام عَنْ قَوْلِهِ
«هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» فَقَالَ
كَانَ مُقَدَّراً غَيْرَ مَذْكُورٍ]
[١]، وعن زرارة قال
سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل
«هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» فقال
كَانَ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا]
[٢]، وعن الباقر عليه السلام قال
كَانَ مَذْكُوراً فِي الْعِلْمِ وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُوراً فِي الْخَلْق]
[٣]. وهكذا روايات أخرى كثيرة تهدينا إلى أن الإنسان يمر قبل وجوده المادي في الحياة بمرحلتين هما
الأولى: عالم التقدير في علم الله.
الثانية: عوالم النشأة، مثل عالم الأشباح (الأرواح)، عالم الذر، عالم الأصلاب، ثم عالم الأرحام، فعالم الدنيا، وفي تلك العوالم وقبل عالم الدنيا كان الإنسان شيئا- في علم الله- ولم يكن مذكورا عند الخلق لضآلته المتناهية.
«إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ» أي مختلطة، قال الإمام الباقر عليه السلام حول كلمة أمشاج
مَاءُ الرَّجُلِ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ اخْتَلَطَا جَمِيعا]
[٤]، كما أنها مختلطة من الناحية المعنوية إذ تحمل الصفات الوراثية والنفسية والشكلية من الطرفين بما يمثلانه من امتداد في التاريخ والمجتمع كالأجداد والآباء والأخوال، وقد أشار الإمام علي عليه السلام إلى هذا المعنى إذ وصف الإنسان بقوله
ومَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ]
[٥]، ومن ناحية ثالثة يعيش الإنسان ثنائية هامة، فهو في البداية خليط من تطلعات الفطرة والعقل والإيمان، وشهوات الهوى والجهل والجحود، بين جنود الرحمن، وأعوان الشيطان.
وهكذا كل شيء في الإنسان يحتمل نزعتين، وصبغتين، ومنهجين، ووجهتين: الحق والباطل، الله أو الشيطان، العقل أو الجهل، الإيمان أو الجحود، الجنة أو النار، ويبدو أن هذه الثنائية أقرب إلى كلمة الأمشاج لأن شأن الثنائيات (الاختلاط بين ماء الرجل وماء المرأة، أو بين مختلف العوامل الوراثية من الآباء والأمهات) مقدمة
لهذه الثنائية، ويدل على ذلك بيان حكمة الابتلاء بعد بيان الثنائية. «نَبْتَلِيهِ» ولا يصدق الابتلاء في حياة الإنسان حتى يكون مختارا، وذلك بأن تكون خلقته خليطا من نزعتين وتطلعين: أحدهما الخير والآخر الشر. ومن
[١] الكافي: ج ١، ص ١٤٧.
[٢] المحاسن: ج ١، ص ٢٤٣.
[٣] بحار الأنوار: ج ٥٧، ص ٣٢٨.
[٤] بحار الأنوار: ج ٥٧، ص ٣٧٦.
[٥] بحار الأنوار: ج ٥٤، ص ١١٢.