من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٩ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
الثاني
أنه الانتظار، واختلف مَنْ حَمَلَه على هذا المحمل على أقوال
ألف
أن المعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وروي ذلك عن مجاهد والحسن وسعيد بن جبير والضحاك وهو المروي عن علي عليه السلام، وساق ما قاله شيخ الطائفة من الرد على من اعترض على إمكان تعدي النظر بإلى
. باء
أن معناه مؤملة لتجديد الكرامة، كما يقال: عيني ممدودة إلى الله تعالى، وإلى فلان، وأنا شاخص الطرف إلى فلان.
جيم
المعنى أنهم قطعوا آمالهم وأطماعهم عن كل شيء سوى الله تعالى] [١].
وما يبدو لي أن النظر هنا بكلا المعنيين المجازي والحقيقي، فأما المجازي فإن المؤمنين يوم القيامة يتأملون من ربهم الثواب والكرامة، ويقطعون أملهم إلا منه، وأما الحقيقي فإنهم ينظرون إلى ربهم ببصائرهم لا أبصارهم من خلال آياته ونوره الذي يتجلى لهم إكراما منه تعالى لعباده المتقين. أما النظر إلى ذات الله فهو مستحيل، والقول بذلك يستدعي التجسيد، وهو من الثقافة الشركية التي تسربت إلى بعض المسلمين من الثقافات الدخيلة [٢]. وكيف يجوز النظر إلى الله والعين لا تستوعب بعض آياته؟ هل نظرت إلى عين الشمس
لحظات؟. هل تفكر في أن تحدق في الشمس من قرب أوَلا تحترق عينك؟ والشمس آية صغيرة متناهية في الصغر إذا قيست بأنوار قدس الرب! لقد تجلى الله للجبل فجعله دكًّا، فكيف يتحمل هذا البشر الضعيف تجليات الرب
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٠٥، مع تصرف ترتيباً وتنقيطاً واختصاراً.
[٢] عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: (
سَأَلَنِي أَبُو قُرَّةَ المُحَدِّثُ أَنْ أُدْخِلَهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام فَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامِ وَالْأَحْكَامِ حَتَّى بَلَغَ سُؤَالُهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ: إِنَّا رُوِّينَا أَنَّ الله قَسَمَ الرُّؤْيَةَ وَالْكَلَامَ بَيْنَ نَبِيَّيْنِ فَقَسَمَ الْكَلَامَ لِمُوسَى وَلِمُحَمَّدٍ الرُّؤْيَةَ. فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام
فَمَنِ المُبَلِّغُ عَنِ الله إِلَى الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
«لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ»
وَ
«وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» وَ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»
أَ لَيْسَ مُحَمَّدٌ؟!
. قَالَ: بَلَى. قَالَ عليه السلام
كَيْفَ يَجِيءُ رَجُلٌ إِلَى الْخَلْقِ جَمِيعاً فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله وَأَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الله بِأَمْرِ الله فَيَقُولُ
«لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» وَ «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» وَ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»
ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَأَحَطْتُ بِهِ عِلْماً وَهُوَ عَلَى صُورَةِ الْبَشَرِ، أَ مَا تَسْتَحُونَ!، مَا قَدَرَتِ الزَّنَادِقَةُ أَنْ تَرْمِيَهُ بِهَذَا؛ أَنْ يَكُونَ يَأْتِي مِنْ عِنْدِ الله بِشَيْءٍ ثُمَّ يَأْتِي بِخِلَافِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
قَالَ أَبُو قُرَّةَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام
إِنَّ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا رَأَى حَيْثُ قَالَ
: «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى»
يَقُولُ: مَا كَذَبَ فُؤَادُ مُحَمَّدٍ مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا رَأَى فَقَالَ
«لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى»
فَآيَاتُ الله غَيْرُ الله، وَقَدْ قَالَ اللهُ
«وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»
فَإِذَا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ فَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْعِلْمُ وَوَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ
. فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ: فَتُكَذِّبُ بِالرِّوَايَاتِ!. فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام
إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَاتُ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ كَذَّبْتُهَا، وَمَا أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْماً وَ
«لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» وَ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»]. الكافي: ج ١، ص ٩٥.