من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٧ - كل نفس بما كسبت رهينة
العلامة الطبرسي
وقيل إنه سبحانه عبَّر عن الإيمان والطاعة بالتقدم لأن صاحبه متقدم في العقول والدرجات، وعن الكفر والمعصية بالتأخر لأنه متأخر في العقول والدرجات] [١].
جيم: التقدم والتأخر الحضاريين في الدنيا، والتقدم والتأخر في الدرجات في الآخرة، فإنهما مرهونان بموقف الإنسان (فردا ومجتمعا وأمة وبشرية) من كتاب الله وذكراه للبشرية، فإن استمعت للنذر واتبعت الآيات وصلت إلى السعادة في الدارين وتقدمت مسيرتها، وإلا صارت إلى الشقاء والتخلف وواقع المسلمين في التاريخ والآن خير دليل على هذه الحقيقة، فهم لما اتبعوا القرآن سعدوا وتقدموا وقادوا ركب الحضارة البشرية، ولكنهم الآن حيث هجروه تورطوا في أنواع المشاكل والبلاء، وصدق رسول الله صلى الله عليه واله حينما قال
الْقُرْآنُ هُدًى مِنَ الضَّلَالِ، وتِبْيَانٌ مِنَ الْعَمَى، واسْتِقَالَةٌ مِنَ الْعَثْرَةِ، ونُورٌ مِنَ الظُّلْمَةِ، وضِيَاءٌ مِنَ الْأَحْدَاثِ، وعِصْمَةٌ مِنَ الْهَلَكَةِ، ورُشْدٌ مِنَ الْغَوَايَةِ، وبَيَانٌ مِنَ الْفِتَنِ، وبَلَاغٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، وفِيهِ كَمَالُ دِينِكُمْ
(قال الإمام الصادق عليه السلام فهذه صفة رسول الله للقرآن)
ومَا عَدَلَ أَحَدٌ عَنِ الْقُرْآنِ إِلَّا إِلَى النَّارِ] [٢].
[٤٧- ٣٨] ومع أننا نقول: أن للرسالة الإلهية دورًا أساسيًّا في تقدم البشرية أو تخلفها ولكن بشرط أن يسعى الإنسان جاهدا في العمل بها «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ»، وتأكيد القرآن على هذه الحقيقة في كثير من المواضيع وبصيغ مختلفة ينطلق من كونها بصيرة أساسية يجب على الإنسان وعيها في حياته، إذ هي روح المسؤولية، والدافع الحقيقي لتحملها .. فمتى ما آمن أحد بالعلاقة بين واقعه وبين سعيه ومستقبله وبين سعيه في الحياة تحمل مسؤوليته بتمامها. ومن الآية الكريمة نهتدي إلى البصائر التالية
ألف: أن فكرة الجبر فكرة خاطئة، فإن الله قد جعل مصير البشر بأيديهم ولم يشأ أن يحتم عليهم مصائرهم، بل إنهم هم الذين يرتهنون أنفسهم في النار بسعيهم السيئ كالمجرمين أو يفكون أسرهم ويصيرون
إلى الجنة بأعمالهم كأصحاب اليمين، وهذا من أبرز مظاهر العدالة والحكمة الإلهية. قال الإمام الصادق عليه السلام يعظ واحدا من أصحابه
اقْصُرْ نَفْسَكَ عَمَّا يَضُرُّهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُفَارِقَكَ، واسْعَ فِي فَكَاكِهَا كَمَا تَسْعَى فِي طَلَبِ مَعِيشَتِكَ، فَإِنَّ نَفْسَكَ رَهِينَةٌ بِعَمَلِكَ][٣].
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٩٦.
[٢] تفسير العياشي: ج ١، ص ٥، بحار الأنوار: ج ٨٩، ص ٢٦.
[٣] الكافي: ج ٢، ص ٤٥٥.