من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٠ - ولربك فاصبر
لهم هذا الموقف، فإذا بهم يختلفون في عدد الملائكة وألوانهم وأشكالهم، بدل أن يسلموا لآيات الذكر الحكيم. وماذا ينفعهم الاطلاع على ذلك؟ هل ينجيهم من عذاب النار؟ كلا .. «وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا» فهي من جهة تزيدهم ضلالا ونفورا، ومن جهة أخرى تظهر حقيقة معدنهم وشخصيتهم، كما تظهر النار طبيعة المعدن ذهبا وغيره، والحال أن هذه الآية وما تبينه من حقيقة ترفع المؤمنين درجة رفيعة في الإيمان .. حيث اليقين والتسليم بآيات الله ووعوده «لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» قيل: هم اليهود والنصارى، وسبب استيقانهم أنه مذكور في كتابهم (التوراة والإنجيل) أن هذه عدة ملائكة سقر، وحيث يبينها القرآن فذلك يدعوهم لليقين بأنه من عند الله، والأقرب حمل المعنى على أنهم العلماء الذين حُمِّلوا رسالة الله، أو الذين أُعطُوا
الكتاب، والكتاب هنا كناية عن العلم الذي يسطر فيه. وإنما يستيقنون لأن ما تطرحه الآية يكشف لهم عن حقيقة جديدة من الغيب تزيدهم إيمانا باعتبار كل حقيقة من الغيب يؤمنون بها يرتفعون بها درجة في معراج اليقين. «وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً» لأن المؤمن كلما اطلع على شيء من الغيب تكاملت معرفته به، ولا ريب في أن هذه المعرفة تعكس أثرها الروحي في شخصيته، فيزداد خوفا من ربه، وإيمانا به، وعملا بأحكامه وشرائعه.
«وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ» أي يصلون إلى مرتبة من الإيمان لا شك معها، وهذه من الدرجات الرفيعة، لأن القليل من المؤمنين هم الذين يستطيعون تطهير قلوبهم من رواسب الشك والتردد. وإذا بلغ أحد ذلك فإنه يتجاوز كل ابتلاء وفتنة لأن
الشُّكُوكَ وَالظُّنُونَ لَوَاقِحُ الْفِتَنِ وَمُكَدِّرَةٌ لِصَفْوِ الْمَنَائِحِ وَالْمِنَن]
كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام [١].
«وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» يعني المنافقين وضعاف الإيمان، الذين يخالط إيمانهم الشك والريب والشرك «وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا»، وبكلمة: إن الحكمة من وراء ذكر عدة التسعة عشر ابتلاء الناس ليعلم من يؤمن بالغيب فيزداد درجة في إيمانه حتى يبلغ مستوى اليقين الذي لا ريب معه، وليعلم المنافق والكافر بالغيب فيزداد شكا وضلالا. وهكذا نجد هذه الحكمة في سائر شرائع الدين. وإشارة القرآن لسؤال الكافرين ومرضى القلوب «مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا» يكشف عن جهلهم ومدى ضلالهم وطريقتهم الاستهزائية بالآيات، فإن هدفهم من وراء ذلك ليس البحث عن الحق، بل هو مجرد السؤال بوصفه طريقًا للهروب من مسؤولية الإيمان، وتشكيك أنفسهم والمؤمنين في الحق .. فهم لا يعلمون الغيب حينما راحوا يشككون في صحة قول الله عن عدة أصحاب النار، ولا يستطيعون إنكار ذلك إذ لا دليل عندهم على خلافه .. ولذلك تساءلوا عن الخلفيات لهذه الحقيقة. ولو أجابهم القرآن ببيان سر
[١] الصحيفة السجادية: مناجاة المطيعين.