من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦ - ذلك يوم التغابن
وليس لونه أو مجيئه من والدين كافرين أو مؤمنين ولا أي شيء آخر. وفي الآية تحذير من طرف خفي من أن حريتك أيها الإنسان ليست أبدية، وأن الله لم يخلق الناس ليتركهم سدى، أو أنه مغلولة يداه ومحجوب عن الخلق، إنما هو رقيب ومهيمن عليهم، وهكذا تنفي الآية التفويض كما تنفي الجبر لتثبت- بالتالي- أمرا وسطا بين الأمرين.
وكلمة أخيرة في هذه الآية هي: أن اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر، ومظلوم وظالم، وقاتل ومقتول، تجعل البعث والجزاء ضرورة فطرية في ضوء الإيمان بالإله الملك الحميد الذي من مظاهر حمده العدل. وهذه من الأفكار الرئيسية في المبادئ الإسلامية.
[٣] ونجد آية هادية إلى الآخرة عند النظر إلى الحياة مفردة مفردة، فهي قائمة على أساس الحق بكل ما تعني هذه الكلمة من آفاق الواقعية والنظام السليم، وأهم تلك الآفاق بالنسبة للإنسان أن الحياة عرصة يجري الله فيها الحق «خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ»، و الهدفية من الحق، كما أن العبثية من الباطل. وإن الإنسان حينما يلقي بنظره وفكره إلى خلق الكون يراه بكل أجزائه حتى الذرة قد خُلق بحكمة وهدف معين، كما أنه عندما يعود إلى نفسه من رحلة الآفاق يرى الحقيقة نفسها، فهو قد صُوِّر وخُلق كل عضو منه لغرض محدد، فالعين للإبصار، والأذن للسمع، والأنف للشم والتنفس وهكذا .. «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» فهل يعقل أن يكون الإنسان ككل بلا هدف؟! كلا .. بل له هدف معين هو أن يقوم بالحق، وهذا يقتضي أن يكون هناك جزاء ومصير. ولأن الدنيا تقصر أن تكون محلا للجزاء الأوفى فلا بد من دار ثانية يرجع فيها الناس إلى ربهم «وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ».
[٤] وهو تعالى لا يقضي للناس بمصائرهم اعتباطا، إنما يجازي كل فرد وكل أمة الجزاء الأوفى القائم على علمه النافذ في كل دقائق الأمور ولطائفها حتى النوايا المنطوية عليها الصدور، ولا يشغله علم عن علم، ولا سمع عن سمع، بل يعلم كل شيء في آن واحد. «يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ» خيراً أو شراً، «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ»، وتأكيد الله على علمه المحيط بحياة الإنسان يتصل بمنهج الإسلام التربوي القائم على أساس زرع الوازع الديني في نفوس المؤمنين، فإن المتحسس لرقابة الله عليه لن يقتحم المحرمات والمعاصي، ولن يتخلف في أداء الواجبات .. وهذه المنهجية ذاتها هي التي تضع نهاية للخداع الذاتي (النفاق)، حيث تضع الإنسان أمام يقين بعلم الله بذات صدره، وأن جزاءه للناس لا يعتمد على أعمالهم وأقوالهم الظاهرة فحسب إنما يعتمد على ما في القلوب من النوايا والخلفيات أيضا.
[٥] ويحثنا القرآن إلى التفكر في واحدة من الآيات الكاشفة لحقيقة كون المصائر بيد الله،