من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٨ - قم الليل إلا قليلا
خفف الحكم بنسبة واحد إلى اثنين [١]، ومثل ذلك أحكام عديدة والتي من بينها قيام الليل الذي نحن بصدد الكلام عنه.
إن هذه الظاهرة في التشريع الإسلامي تهدينا إلى أن إصلاح الإنسان- وبالذات في الانطلاقة- بحاجة إلى برنامج مركَّز وصعب حتى يصلح نفسه إصلاحا جذريًّا، كما المقاتل في دورته العسكرية الأولى، فإذا ما استمر قطاره على السكة يُخَفَّف عنه، وهذه منهجية الإسلام في بناء أفراده ومجتمعه، وإذا صح هذا التحليل فإننا يجب أن نستفيد من ذلك في حياتنا ومسيرتنا، ففي بداية التغيير ينبغي أن تؤخذ الأمة بالشدة حتى تذوب في بوتقة الإيمان والعمل الرسالي، ثم يأتي دور التخفيف عنها شيئا ما.
ويلفتنا القرآن إلى خصيصة تشريعية في الإسلام وهي واقعيته، وأخذه ظروف المشرَّع له بعين الاعتبار، فهو ليس نظامًا قسريًا، بل تشريعًا واقعيًّا مرنًا، وذلك مما يؤكد حقانيته.
«عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى» يعيقهم مرضهم عن القيام، أو يجعله أمرا مكلفا. وهذه كناية عن المعوقات البدنية التي تصيب الإنسان بالضعف، «وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» طلبا للرزق. والضرب في الأرض كناية عن التنقل والترحل والسعي الحثيث، وعلل الرازي تخفيف الفرض على هذا الفريق ومن يلونهم (المقاتلين في سبيل الله) قائلا
وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم]
[٢]. «وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» إعلاء لكلمته، وإنفاذا لأمره، وتحكيما لشرعه، ودفاعا عن ثغور المسلمين، وهؤلاء لا شك لهم من
الأجر الشيء العظيم، ولعمري إن جهادهم بمثابة قيام الليل أجرا وقدرا عند الله؛ لأنهم لولا جهادهم وقتالهم لكان الأمر كما حكى الله تعالى «لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً» [الحج: ٤٠]. قال الفخر الرازي
ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سَوَّى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال]
[٣]، وهذا يؤيد قول رسول الله صلى الله عليه واله
أَيَّما رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا إِلَى مَدِيْنَةٍ مِنْ مَدَائِنِ المُسْلِمِينَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَبَاعَهُ بِسِعُرِ يَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ الله مِنَ الشُهَدَاءِ]
[٤]، وهو تأكيد لقول الإمام الصادق عليه السلام
الْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله]
[٥]، ويؤكد الله مرة أخرى أمره بتلاوة القرآن. «فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» ولو بضع آيات، المهم
[١] الأنفال: ٦٦- ٦٥.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٨٧.
[٣] المصدر السابق: ص ١٨٧.
[٤] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٨٧.
[٥] الكافي: ج ٥، ص ٨٨.