من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٤ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
التي يزرعها الفلاح في الأرض .. لا بد من الصبر عليها حتى تؤتي أكلها ورعايتها في الأثناء، مما يفرض الاستقامة أساسًا في السعي الحضاري، ووعي هذه القيمة الواقعية من شأنه تثبيت الإنسان على الهدى، ودفع روح القنوط واليأس من الرسالة عن فكره ونفسه. أترى لو يئس الرعيل الأول من الإسلام حيث لم يكونوا يرون منه سوى التضحيات تلو التضحيات فهل كانوا يبنون حضارته على امتداد المعمورة؟، أو هل كانوا يحققون تلك الأهداف والمنجزات العظيمة التي وصلوا إليها بفضل الصبر والاستقامة؟ كلا .. وما أحوج الأمة الإسلامية وهي تعيش مخاض الصحوة والعودة إلى رسالتها أن تلتفت إلى هذه الحقيقة، وتعزم السير إليها قدما مهما حاول الأعداء ثنيها عن الطريقة بتهويل التضحيات والمشاكل التي تواجهها كل أمة ناهضة في السنين الأولى للنهضة، فإن الاستقامة وحدها التي توصل الأمم إلى موسم الحصاد حيث يكسبون المعطيات بكل شموخ واقتدار، فلا يطعم الماء الغدق إلا من تذوَّق مرارة الاستقامة وتحمَّل تحدياتها وجراحاتها.
ولقد توقف المفسرون عند الشطر الثاني من الآية «لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً» متسائلين: كيف يَعِدُ الله الجن والإنس بالماء الغدق نتيجةً للاستقامة على الطريقة، والحال أن الجن ليسوا ذوي أبدان إنسية أو لا يحتاجون إلى الماء- ربما يزعم عدم الاحتياج بوصف أنهم مخلوقون من النار- فيكون الوعد به مغريًّا عندهم؟ والجواب
أولًا: إننا نفهم من عموم القرآن أن الحاجة إلى الماء مرتكزة في كل كائن حي، لقوله تعالى «وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» [الأنبياء: ٣٠] بغض النظر عن المقدار والكيفية.
ثانياً: يبدو أن الماء رمز للحضارة حيث الماء عصبها، فأي تقدم حضاري لا غنى له عن الماء.
ثالثا: كما إن أجلى مصاديق الماء ليس ما نشربه ونسقي به الزرع، إنما هو العلم الحق الذي تحيا بالاستجابة له النفوس والعقول، وتنعش به الحياة. قال الإمام الصادق عليه السلام
يَعْنِي لَأَمْدَدْنَاهُمْ عِلْماً كَيْ يَتَعَلَّمُونَهُ مِنَ الْأَئِمَّة عليهم السلام]
[١] وعن بريد العجلي قال
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل
«وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ» قال
يَعْنِي عَلَى الْوَلَايَة
«لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً» قال
لَأَذَقْنَاهُمْ عِلْماً كَثِيراً يَتَعَلَّمُونَهُ مِنَ الْأَئِمَّة عليهم السلام]
[٢] وعن الباقر عليه السلام قال
لَأَشْرَبْنَا قُلُوبَهُمُ الْإِيمَانَ، والطَّرِيقَةُ هِيَ الْإِيمَانُ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ والْأَوْصِيَاءِ]
[٣] .. ولا غرابة في تأويل
[١] بحار الأنوار: ج ٢٤، ص ٢٨.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢٤، ص ٢٩.
[٣] الكافي: ج ١، ص ٤١٩.