من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٩ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
توجهاتهم ونظراتهم إلى الحياة.
ولعل تأكيد القرآن على التشابه بين الخلقين (الإنس والجن) يأتي لبيان أنهم خلق من خلقه تعالى يتعرضون لما يتعرض له الناس، وليسوا آلهة كما يزعم البعض فيعبدهم ويشرك بهم من دون الله. ومادام الجن صالحين ودون ذلك فإن الاتصال بهم قد يعود إلى الإنس بالخير لو كان طرفه الصالحين، وقد يعود عليهم بالشر العظيم إذا كان طرفه الضالين الفاسدين منهم، وهذا ما يجعل الاعتماد على قول الكهنة وأخبارهم محل إشكال وشك، باعتبار مصادره تحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة
على مذاهب مختلفة، مسلم وكافر، وصالح ودون الصالح]
. وقال شيخ الطائفة
والطرائق جمع طريقة، وهي الجهة المستمرة مرتبة بعد مرتبة، والمعنى: إنا كنا على طرائق متباينة، كل فرقة يتباين صاحبها كما بين المقدود بعضه من بعض] [١].
وخلاصة القول: أنهم مختلفون في مذاهبهم وتوجهاتهم، وفي كل فرقة يختلف الأفراد عن بعضهم صلاحا وانحرافا.
وإلى جانب بيان القرآن تصور الجن عن علم الغيب، مما ينفي المزاعم بأنهم آلهة أو أنصاف آلهة، يبين ضعفهم وعجزهم باعتبارهم مخلوقين عن مقاومة إرادة الله، بل عجزهم حتى عن الهرب من سلطانه وحكومته، الأمر الذي يهدم ثقافة الشرك بهم من أساسها.
«وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ» بصورة مباشرة من خلال مواجهة إرادته، أو بصورة غير مباشرة من خلال القفز على سننه أو خرقها، ولو كانت هذه القدرة موجودة عند الجن لأظهرها شياطينهم، ولخربوا كثيرا من قوانين الطبيعة ونظمها، ولكنهم عاجزون عن ذلك .. مما يهدينا إلى أنهم
محكومون مثلنا بإرادة الله وسننه، فخطأ إذن أن يعتمد بعض الإنس عليهم ويعوذ بهم زعما أنه يحتمي بهم عن مشيئة الله، على أساس أنهم قوى قاهرة وضاغطة!، تعالى الله عما يصفون، فإن وجودهم كسائر المخلوقين مرتكز في الضعف والعجز، فهم لا يستطيعون أن يدفعوا عن أحد إرادة الله، ولا يجدون أنفسهم سبيلا للهرب منه.
«وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً»؛ لأن إرادته تعالى ليست محدودة بالأرض حتى يفلت من يطير إلى غيرها من إرادته، ويعجزه سبحانه، إنما هيمنته شاملة للوجود كله دون استثناء أو فرق بين كوكب وآخر، ولا بقعة وبقعة أخرى. قال الزمخشري
أي لن نعجزه كائنين في الأرض
[١] التبيان: ج ١٠، ص ١٥٢.