من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٢ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
ظاهر الأخبار أنه عليه السلام عاصر ثلاثة أجيال، كلها كانت لا تؤمن به إلا قليلًا منهم. لأن معدل الأعمار يومئذ كان ثلاثمائة سنة تقريبا. قال الصادق عليه السلام
كَانَتْ أَعْمَارُ قَوْمِ نُوحٍ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَة] [١].
(٨- ١٢) وأمام الموقف الصلف الذي اتخذه قوم نوح عليه السلام ضد شخص النبي عليه السلام وضد رسالته لم يجعل خياره الهزيمة والتراجع، ولا التوافق والمداهنة، إنما أصر بعزيمة الإيمان على المضي قدما نحو الهدف، وأداء الرسالة بأكمل وجه، فهو متيقن من الحق الذي بين يديه، ولا يساوره أدنى شك فيه، فالأهداف والقيم بالنسبة إليه ثوابت لا تقبل التبديل أو التحويل، وهذه من أهم خصائص الخط الرسالي الأصيل. ولذلك عمد شيخ المرسلين إلى تغيير أسلوبه.
«ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً» أي صارح قومه بأمره، فبدلًا من أن يطرح أهدافه وقيمه لمن يتصل بهم بصورة غير مباشرة، خشية ردات الفعل، أو خشية عدم استيعابها جاهرهم بها.
«ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً» ومن الآيتين يتضح لمن يدرس تاريخ الحركة الرسالية في عصر نوح عليه السلام أنها كانت تنتقل بين الحين والآخر من أسلوب إلى غيره تبعا لمقتضيات الظروف، وهذه مسيرة طبيعية عند الحركات الرسالية وبالخصوص تلك التي يمتد عمرها أجيال وتعاصر تطورات كثيرة، فليست إذن العلنية صحيحة على طول الخط، كما أن التقية والعمل السري ليست أسلوبا ثابتا إلى الأبد؛ لأن الحركة الرسالية حركة واقعية، فقد لا تعلن الدعوة لأن الظروف السياسية والاجتماعية والتربوية لا تسمح بذلك.
وقد احتار المفسرون في التفريق بين الجهار والإعلان، والذي يبدو: أن الجهار يعني التصريح الواضح والمباشر بأفكار الدعوة وقيمها للناس، وقد تكون هذه العملية محدودة فيمن يتصل بهم الرساليون اتصالا خاصًّا، فالقيم الرسالية كالتغيير الجذري والجهاد المسلح أمر صعب ومستصعب لا يحتمله الناس من البداية مما يضطر الداعية الرسالي إلى الارتقاء بهم نفسيًّا وفكريًّا حتى يتسنى له مجاهرتهم بالبصائر الرسالية
وحقيقة التطلع للحركة الرسالية. فمن الحكمة التلطف بالمقبلين على الدعوة بإيصالهم إلى حقيقة أهدافها شيئا فشيئا لكي يمكن لهم استيعابها. أو أن الجهر مرحلة بين الكتمان والإعلان فليست سرية مئة في المئة ولا العكس.
أما الإعلان فهو أشبه ما يكون بالإعلام- حسب المصطلح الحديث- أي الطرح الجماهيري السافر للدعوة الرسالية، وقوله في الأخير «وَأَسْرَرْتُ» يدلنا على أن هذه المراحل والتكتيكات ليست ذات مراتب حتمية (إسرار، ثم إجهار، ثم إعلان) كلا .. وإنما هي معطيات
[١] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٢٨٩.