من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦١ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
العدد والعدة بالكيف، الأمر الذي لا يجعل حتى ليلهم- كما يتصور البعض- وقت راحة واسترخاء، فإنهم إن لم يشتغلوا فيه بدعوة الناس والأدوار الاجتماعية المباشرة، فسيجعلونه فرصة للتفكير في شأن رسالتهم ومسؤولياتهم، والاتصال بربهم تعرضا لنفحاته ومرضاته، وتلقيًّا لإرادة العمل الدؤوب في سبيله، وتزودا بالإيمان وروح التسليم.
ولكن جهود نوح ما كانت تنفع قومه لأن بينهم وبين دعوته حُجُبًا سميكة من الإصرار والتحدي الأعمى للحق، بل كانت تزيدهم فرارا منه، وبُعْدًا عن الحق، وهذه من خصائص الصراع بين الحق والباطل، أنه كلما صعدت جبهة الحق من تحركها ونضالها ازدادت جبهة الباطل في عنجهيتها وعنادها «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً»، وقد احتار المفسرون بسؤالهم: كيف يعقل أن تكون دعوة نوح سببا لفرار قومه من الحق؟. بيد أن هذه الحالة ليست بدعاً في حياة البشر عندما يتمادون في الطغيان، وقد أكدنا في مواضع من التفسير على القول بأن في داخل الإنسان ضميرا يدعوه إلى الحق (فطرته ونفسه اللوامة وعقله) وحينما يعقد الكفار عزمهم على رفض الإيمان فإنهم يواجهون حربا نفسية باطنية مع الضمير، مما يدعوهم لتحدي عقولهم ووجدانهم. ومن جملة وسائل التحدي للحق التهرب من مجالس الدعوة والدعاة، وذلك لإقناع النفس بعزة الإثم. وفي عالم السياسة لا يخفى على المراقب أن وجود الحركات الرسالية في مجتمع ما تؤثر على النظام القائم بصورة معاكسة، حيث يقوم بالمزيد من القمع والظلم.
وقد سمى نوح عليه السلام دعوته بالدعاء لأنها في حقيقتها طلب لنجاتهم من العذاب الأليم «وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ» وبالتالي يتأخر عنهم العذاب الأليم، والأجل المعلق.
«جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ» كناية عن الحجب التي تمنعهم عن سماع الدعوة والاستجابة لها، وربما كان بعضهم يضعها بالفعل. «وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ» أي استتروا بها فهي حجاب كالغشاء تمنعهم من الاتصال بالدعوة، بل حتى من مجرد النظر إلى الداعية، وإلى جانب هذه الحجب الظاهرة، هناك حجب باطنة تغشى قلوبهم، أهمها: الإصرار على الباطل، والضلال، والاستكبار عن التسليم للحق «وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً»، والمفعول المطلق «اسْتِكْبَاراً» يفيد التأكيد والتهويل. أي استكبروا أيما استكبار فاحش، تحدوا به الحق رمزا وقيما، وهذا تمهيد لتبرير الحكم الإلهي بعذابهم تبريرا موضوعيًّا، فإن من يعرف مدى تودد نوح لهم وتلطفه بهم من جهة، ومدى عنادهم وجحودهم من جهة أخرى لا يستبعد العذاب عن ساحتهم، ولا يشك في عدالة الله. وفي الدر المنثور عن قتادة قال
بلغني أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا لا يغرنك، فإن أبي قد ذهب بي وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك]
[١] ومن
[١] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٦٨.