من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٧ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
مسؤولون عنه، ولا يجوز لأحد أن يعيش فردا لا يبالي بغيره، وأيضاً أن الإنسان قادر على الخروج عن سياق المجتمع الفاسد وتحدي الانحراف، وأن نوحا عليه السلام بوقفته الرسالية الشجاعة لآية على بطلان حتمية التوافق الاجتماعي.
ثانياً: تشخيص أسس الواقع المنحرف وطرح البدائل الصالحة
«أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ» و بهذه الجملة حدد نوح عليه السلام معالم النظام القائم والنظام البديل معا (ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا) فإن الآية تهدينا إلى البصائر التالية
الأولى: إن انحراف المجتمع (كفرا وشركا وفسادا) ومشكلة الإنسان (فردا ومجتمعا) ليست الجهل بالخالق من الأساس، بل هي في الدرجة الأولى عدم الخضوع لإرادته تعالى، وتلقي القيم من لدنه. ولقد كان مجتمع النبي نوح عليه السلام متورطا بالفعل في الوثنية والشرك بتصريح الآية الكريمة «وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً». وما أكثر ما يؤدي إليه الانحراف المبدئي عن عبادة الله والتوحيد من تعويق لمسيرة الإنسان نحو الرقي والتحضر الحقيقي، ومن ضلال كبير في الحياة وبالذات في جانبها الروحي والأخلاقي والثقافي، مما يجعله عاجزا عن الوصول إلى أهدافه وطموحاته الحقيقية التي لا يبلغها أحد إلا بعبادة ربه.
الثانية: أن المجتمع يومئذ لم يكن ضالا عن المبادئ الأولية وحسب، بل كان بعيدا عن ربه حتى في التفاصيل العملية لمفردات الحياة، إذا لم يكن يخشى الله ويتقيه، وذلك يعني انفلاته من كل الضوابط، واسترساله مع الهوى، حيث إن ضمانة الالتزام بالقيم الإنسانية والدينية على السواء مرهونة بمدى التقوى عند الفرد والمجتمع.
كما تكشف لنا الكلمة الأخيرة «وَأَطِيعُونِ» عن وجود الفساد في النظام السياسي ومن ثم الاجتماعي، باعتبار أن النظام السياسي إطار للنظام الاجتماعي وسائر النظم. والمتدبر موضوعيًّا فيما ورد عن قوم نوح من آيات القرآن يجد فيها بيانا واضحا لطبيعة القيادة السياسية والاجتماعية التي ترمز بدورها إلى الانحراف المبدئي والعملي، فهي لم تكن قائمة على أساس الكفاءة، إنما على أساس الأموال والأتباع، الأمر الذي قَسَّم المجتمع إلى طبقتين: الأولى: طبقة المترفين الحاكمين، والأخرى: طبقة المعدمين (الأراذل بتعبير المترفين) ولا ريب أن القيادة في أي مجتمع رمز لقيمه الواقعية، ومن المعالم الأساسية لمسيرته. وحيث رأى نوح عليه السلام الوضع المتخلِّف والفاسد عقد العزم على تغييره، فجعل خطوته الأولى تشخيص العوامل الأساسية للانحراف باعتباره المصلح وبيانها للناس. وواضح للمتدبر أنه عليه السلام لم تخدعه
المظاهر والنتائج، إنما توجه إلى الجذور الأولية، لأن علاجها هو النهج السليم لعلاج الأعراض والظواهر التي لا