من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٦ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
[٢- ٤] إن أحدا لا يستطيع أن يَدَّعي العصمة، أو حضور جبرائيل عنده، ولا حتى بلوغ درجة الأنبياء، ولكن يستطيع أن يحمل رسالة الله إلى قومه. إذن فللرسالة وجهان: وجه خاص يتفرد به من اصطفاهم لوحيه مباشرة، ووجه عام يتسع لأتباعهم والسائرين على نهجهم وخطاهم (...) فما هو نهج الأنبياء في ضلوعهم بدورهم الخطير؟.
إن حديث القرآن في هذه السورة يبين لنا الخطوط العامة للنهج الذي تلتقي عليه كل الرسالات والزعامات الإلهية، وذلك بعرض قصة نوح عليه السلام.
أولًا: التصدي لقيادة التغيير
«قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ» إن نوحا لم ينظر للأوضاع نظرة لا أبالية- كما هو شأن الكثير من الناس الذين لا يهمهم سوى أنفسهم ومصالحهم- إنما تحسس الانحراف بكل أبعاده (الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والأخلاقية)، ولم ينتظر من الأقدار أن تُغيِّر أحوال الناس، ولم يُلقِ بالمسؤولية على غيره، بل كان متيقنا بأن الواقع رهن إرادة الإنسان ذاته، فبدأ بمسيرة الإصلاح، متحملا من أجل ذلك كامل المسؤولية، ومتحديا كل العقبات والضغوط مع إصرار على إبلاغ الرسالة، والاستقامة في طريق ذات الشوكة. ومن هنا كان القائد والرمز للتغيير، وبدأ بالعمل الدؤوب المبرمج، والمخلص لوجه الله. إن القيادة أمانة ومسؤولية قبل أن تكون شرفاً ظاهراً، فكان أول طريقه مصارحة المجتمع بالحقيقة، وتوجيهه إلى وجود الانحراف، باعتبار أن وضع اليد على الداء، والقناعة بأصل الخطأ أول خطوة في طريق الإصلاح، فإن الأمة التي يأخذها الغرور، ولا تنتهج النقد الذاتي تبقى إلى الأبد سادرة في انحرافها وأخطائها وتخلفها.
ولم يكن نوح عندما طرح نفسه غير مدرك لمدى التحديات التي سيواجهها، وإنما هي إرادة الإصلاح وروح المسؤولية، وقد تحمل ذلك استجابة للمسؤولية الإلهية، إذ أمره الله بإنذار قومه، وإذ يدعوه ضميره إلى القيام بذلك الدور الحضاري الهام، وحيث نهض ينذر قومه اعتمد الأسلوب الواضح والبليغ، إيمانا منه بأن حقانية الدعوة وحدها لا تكفي، بل لا بد حتى يستجيب الناس لها أن يكون الإنذار بها بَيِّنًا، يمتاز به الحق من الباطل وتتم به الحجة. وقد أعطى ذلك بصيرة واضحة لمن قد يطلع على عاقبة قومه بأن عدم استجابتهم لم يكن بسبب الغموض في البيان، ومن ثم فإنهم يستحقون ما حل بساحتهم من العذاب.
ومن تكرار كلمة القوم ثلاث مرات في هاتين الآيتين «إِلَى قَوْمِهِ ... أَنذِرْ قَوْمَكَ ... يَا قَوْمِ» نهتدي إلى بصيرة مهمة وهي: أن الإنسان الفرد مسؤول عن قومه ومجتمعه، كما أنهم