من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٤ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
«يَغُوثَ [١] وَيَعُوقَ [٢] وَنَسْراً [٣] (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [٤] (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً (٢٨)».
بينات من الآيات
[١] إن اتباع الحق ضرورة حياتية ليس في الأفق المعنوي (الروحي والعلمي) وحسب، وإنما في الواقع المادي أيضا، وهذه الحقيقة أعظم تجليًّا في حياة المجتمع منها في حياة الفرد، والذي يستقرئ تاريخ البشرية يجد شواهدها ماثلة في الأمم الغابرة، وهكذا حينما ينظر إلى الحياة من حوله. وحيث تسير البشرية بأقدام الضلال والفساد إلى هاوية العذاب الأليم ونهاية الهلاك، بين الحين والآخر يعطف الرب عليها بلطفه ورحمته فيبعث الأنبياء برسالاته لإنقاذها قبل أن تحين ساعة الصفر، وذلك من أظهر آيات رحمته، والتي تتجلى في الرسالات والرسل الذين هم قمة الرحمة الإلهية للناس.
ولقد انحرف قوم نوح عليه السلام وكان الخط البياني لمسيرتهم يتجه نحو الموت الجماعي، ولكن الله الرحمن الرحيم أبى إلا أن يرسل إليهم رسولا منهم رأفة بهم، وإقامة للحجة عليهم، وإمضاء لسنته في
خلقه، إذ ما كان الله معذبا قوما حتى يبعث فيهم رسولا، وعلى هذا الأساس ولهذه الأهداف جاء نوح يحمل رسالة الإنذار إلى قومه.
«إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ» وقومه يومئذ كل البشر الذين عددهم على بعض الأقوال (٧٠٠) ألفا، ونهتدي إلى ذلك من طبيعة العذاب إذ عم الأرض كلها طوفانه، وفي الحديث عن
[١] يغوث: كان يعبده بطنان من طيّ، فذهبوا إلى مراد فعبدوه زماناً، ثم إن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم ففروا به إلى بني الحرث بن كعب، وقيل: إن يغوث كان لبني غطيف من مراد، وقال الواقدي: كان يغوث على صورة أسد.
[٢] يعوق: صنم لكهلان ثم توارثوه حتى صار إلى همدان. وقال الواقدي: إنه على صورة فرس.
[٣] نسراً: صنم لخثعم، وقيل لآل ذي الكلاع من حِمْيَر، وعن الواقدي: إنه على صورة نسر من الطير.
[٤] ديّاراً: ديار من فيعال، من الدوران، ونحوه القيام، والأصل: قيوام وديوار، فقلبت الواو ياءً، وادغمت إحداهما في الأخرى، قال الزجاج: يقال: ما بالدار ديار، أي ما بها أحد يدور في الأرض، وقال الرغب: إنه الساكن.