من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥ - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
معطيات الإنفاق حيث الطهارة والتزكية، وبالمصير الوبيل في الآخرة حيث العذاب، والحسرة على التفريط في جنب الله. وهذه الآية تجتث جذور النفاق الذي يقوم على أساس المصالح المادية والعنصرية، إذ تتجلى بأبهى صورها في علاقة الإنسان بماله الشخصي، وتتجلى الثانية بأظهر مصاديقها في علاقته بولده.
[١٠] أما الطريق للتخلص من شح النفس فهو بالإنفاق، وهذا ما تذكر به الآيات وتثيره في أذهانهم، حيث تضع المؤمنين أمام حقيقة الدنيا أنها فرصة قصيرة حاسمة، كما تضعهم في سباق خطر مع الأجل الذي يطوي صفحة الحياة ليلاقي الإنسان بعدئذ مصيره الأبدي فإما مع الصالحين في الجنة وإما مع أصحاب النار في العذاب.
«وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ» وحينئذ يواجه مصيره لوحده، ويقدم على الله فردا لا مال ولا أولاد ولا معين. وإذ يذكر القرآن الإنسان بمسؤوليته الفردية فلكي يفصله عن المؤثرات السلبية المادية والاجتماعية التي تمنعه من الإنفاق والاستجابة لدعوة الله .. ولماذا يبخل الإنسان بماله على ربه الذي رزقه إياه وهو منتقل عنه لا محالة بالموت؟!.
«فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ» إنه حينئذ لا يطلب من الله التأخير لألف سنة، إنما يريد أجلا قريبا كاللحظة لينقذ نفسه من الحسرة والعذاب، وهذا يدل فيما يدل على أن باستطاعة الإنسان أن يتغير جذريا بقرار واحد وخلال لحظة، فينقل نفسه من جبهة إلى أخرى، ومن مصير إلى مصير. ونهتدي من الآية الكريمة إلى أن الصدقة (والإنفاق) معراج المؤمن إلى الصالحات والصالحين، وهنا نجد إيحاء لقول الله تعالى «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا» [التوبة: ١٠٣].
[١١] وكما يكشف الوحي للإنسان واقعه المستقبلي وهو يعالج سكرات الموت، يؤكد له أن الدنيا هي الفرصة الوحيدة، وأن الموت هو نهايتها.
«وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا» وهذه حقيقة حاسمة لو تفكر فيها البشر لاهتدوا إلى الحق حيث الانصياع لأوامر الله، وإن عدم استجابة الله لتمنيات الإنسان بالتأخير تنطوي على حكمة هامة، فلو كان يستجيب لكان الناس يستبدلون السعي بالمنى، والعمل بالتسويف. كيف والله يعلم بأنهم لو ردوا لعادوا لما كانوا عليه من الأعمال؟!.
«وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» فعلى افتراض أن الله يؤخر أحدا فإنه يعلم بأنه سوف يعمل ما كان يعمله قبل الموت.
وفي ختام السورة ننقل القصة التاريخية التي تناقلها المفسرون في تفسير هذه السورة