من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤١ - الذين هم على صلاتهم دائمون
في ممارسة الحرام خارج إطار العلاقة الزوجية، هذا ما يستفاد من السياق وبالذات من قوله سبحانه في خاتمة الآية «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» كما يأتي تفسيره.
وإن الدراسات العلمية في جنس الاجتماع لتؤكد على أن أغلب الانحرافات في هذا الجانب- وبالتالي فشل الأزواج في حفظ أزواجهم وحصر علاقاتهم الجنسية بهم- مبتنية على سوء إدارتهم للعائلة.
إن الإسلام دين الفطرة، ومعنى ذلك أنه ينسجم مع طبيعة الإنسان، والغريزة الجنسية غريزة طبيعية، والإسلام لا يحاربها، ولكنه يفرض عليه منهجا سليما، فهو من جهة يحرِّم ممارسة الجنس الحرام، ومن جهة أخرى يفتح المجال فيما يخص الزوجات وما ملكت اليمين «إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ»، وإذا عرفنا أن الزوجة تتعدد في الإسلام إلى أربع، كما أنها تشمل الدائمة والمؤقتة، فإن مصادر التمتع بالغريزة الجنسية تكون متنوعة «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» لا من قبل الله ولا من قبل الناس. والغريزة الجنسية أشبه شيء بتيار ماء عارم لا يدعه المؤمن يندفع حيث يشاء، بل يصنع حوله السدود، ويحفر القنوات التي تستوعبه وتوجهه إلى ما فيه الحق والصلاح. «فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ» نتيجة للشذوذ بممارسة الحرام زنا وغيره [١]. «فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ» يقال عدا فلان: اعتدى، وعدا في مشيه إذا أسرع وتجاوز الحد المعروف، وهو الأصل، والعادي: الظالم بالتجاوز. قيل
فأولئك الذين تعدوا حدود الله، وخرجوا عما أباحه لهم]
[٢]. ومن مصاديق «وَرَاءَ ذَلِكَ» الاستمناء (العادة السرية) فقد) سُئِلَ الصَّادِقُ عليه السلام عَنِ الْخَضْخَضَةِ فَقَالَ
إِثْمٌ عَظِيمٌ قَدْ نَهَى الله عَنْهُ فِي كِتَابِهِ، وفَاعِلُهُ كَنَاكِحِ نَفْسِهِ، ولَوْ عَلِمْتَ بِمَا
يَفْعَلُهُ مَا أَكَلْتَ مَعَهُ.
فَقَالَ السَّائِلُ: فَبَيِّنْ لِي يَا بْنَ رَسُولِ الله مِنْ كِتَابِ الله فِيهِ فَقَالَ
قَوْلُ الله
«فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ»
وهُوَ مِمَّا
«وَرَاءَ ذَلِكَ»] [٣].
وإن من انتصر على هوى النفس ووسواس الشيطان بشأن الشهوة الجنسية فقد أوتي خيرا كثيرا، قال الإمام الباقر عليه السلام
مَا عُبِدَ الله بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وفَرْجٍ]
[٤]، وهذه الرواية تفسر لنا العلاقة بين العفة الجنسية وبين كون العفيف من المصلين الحقيقيين عند الله. وكيف يقيم الصلاة من يخبط خبط عشواء في الفواحش وربنا يقول «وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» [العنكبوت: ٤٥] أي أن تجنب الفواحش والمنكرات شرط أساسي لإقامة الصلاة بحدودها.
[١] راجع سورة المؤمنون عند الآية: ٧- ٦.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٥١.
[٣] وسائل الشيعة: ج ٢٨، ص ٣٦٤.
[٤] الكافي: ج ٢، ص ٧٩.