من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٠ - الذين هم على صلاتهم دائمون
الإيمانية إلى حقائق واقعية في حياته، فالتصديق بيوم الدين والإشفاق من العذاب ليس مجرد أقوال على ألسنتهم أو أفكار في أذهانهم، بل هي واقع ملموس في شخصياتهم.
وبالتدبر في معاني الآية الكريمة نهتدي إلى الحقائق التالية
ألف: إنها- باستثناء «أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ»- شاملة للزوجين الرجل والمرأة، فإن المرأة كالرجل مكلفة بصيانة نفسها إلا على زوجها، وألَّا تبحث عن طرق ملتوية لإشباع غريزتها الجنسية.
باء: إن حفظ الفرج يبدأ من طهارة القلب بعفة الإيمان وعفة النظر عما حرم الله، وهكذا سائر الجوارح كالسمع واللمس، فإن فرج الإنسان لا يزال محفوظا حتى تدخل قلبه أفكار الشيطان، أو يزيغ نظره إلى الحرام، وكذا سمعه وجلده.
جيم: إن التعبير جاء بالجمع «لِفُرُوجِهِمْ» وليس بالمفرد، وذلك يهدينا إلى أن مَنْ حَفِظَ فرجه يشمل بفعله ذلك مَنْ يتعلق به من الفروج فهو يحفظها بحفظه لفرجه، وذلك سنة اجتماعية، وهكذا من يقتحم به الفواحش فإنما يجعل فروجه- زوجته وأخواته وإخوانه وعقبه- عرضة للتورط في الفاحشة، فقد أوحى الله إلى موسى عليه السلام
يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ مَنْ زَنَى زُنِيَ بِهِ ولَوْ فِي الْعَقِبِ مِنْ بَعْدِهِ، يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عِفَّ تَعِفَّ أَهْلُكَ، يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَكْثُرَ خَيْرُ أَهْلِ بَيْتِكَ فَإِيَّاكَ والزِّنَا، يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ]
[١]، وفي حديث آخر
لَمَّا أَقَامَ الْعَالِمُ الْجِدَارَ أَوْحَى الله تَبَارَكَ وتَعَالَى إِلَى مُوسَى عليه السلام أَنِّي مُجَازِي الْأَبْنَاءِ بِسَعْيِ الْآبَاءِ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وإِنْ شَرّاً فَشَرّ. لَا تَزْنُوا فَتَزْنِيَ نِسَاؤُكُمْ، ومَنْ وَطِئَ فِرَاشَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وُطِئَ فِرَاشُهُ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ
] [٢].
دال: وإذا نظرنا إلى الآية بتفكر أمكننا توسيع معنى الفروج ليشمل كل فرجة يساهم بها الإنسان في ممارسة الجنس، كالفم والأذن والعين والأنف. وإن المصلين يعفون بها عن ممارسة الحرام، فلا يقبلون بشفاههم غير أزواجهم، ولا يتلفظون بها كلمات الفاحشة، كما أنهم لا يستمعون بآذانهم أحاديث المجون، ويصونون أعينهم عن النظر إلا إلى ما أحل الله لهم، بل ويحفظون مشامهم قدر المستطاع عن الاستلذاذ بالحرام!.
هاء: ولعلنا نقرأ في بطون الآية الكريمة أن المصلين يحسنون إدارة عوائلهم في كل الأبعاد ومنها الجنس، بحيث يؤدون حقوق بعضهم بكفاية وتجمُّل، مما يحفظها عن التفكير
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ٤، ص ٢١.
[٢] الكافي: ج ٥، ص ٥٥٣.