من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٣ - وإنه لحق اليقين
(٤٤- ٤٧) ونعود للآيات الكريمة حيث تؤكد أمانة الرسول وصحة الرسالة، بنفي أي إضافة منه صلى الله عليه واله إليها نفيا قاطعا، مما يهدينا إلى حقانية الحق، وأن الله يفرضه على الإنسان فرضا دون أن يتساهل حتى مع حبيبه وأقرب خلقه إليه النبي محمد صلى الله عليه واله. «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ»، قال الزمخشري: (
التقوُّل افتعال القول كأن فيه تكلُّفا، من المفتعل، وسميت الأقوال المتقوَّلة أقاويل تصغيرا بها وتحقيرا، كقولك: الأعاجيب والأضاحيك، كأنها جمع أفعولة من القول]
[١]، والمعنى: (
ولو نسب إلينا قولا لم نقله]
[٢]، والافتراض هنا افتراض جدلي يفيد أن النبي صلى الله عليه واله لم يتقول- حاشاه- إذ لم نر الوعيد الإلهي تحقق في هذا الشأن. والآية تزكية للرسول ليس فيما يتصل بالقرآن وحسب بل في كل نطقه وكلامه. وهذه الشهادة الإلهية البينة آية على عصمة نبينا صلى الله عليه واله، وأن سنته كالقرآن ليست من أهوائه إنما هي بعلم الله وحكمته أجراها على لسانه.
«لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» معنويًّا بسلب سمة النبوة منه، وماديًّا بمجازاته أشد الجزاء، لأن خطأ الإنسان يكون أفظع وأسوأ كلما كان في موقع أهم، وهذا ما يجعل ثواب نساء النبي وعقابهن مضاعفا عند الله. ولعمري إنه إنذار ووعيد لكل من يخون أمانة الله، وبالذات أولئك الذين حملهم مسؤولية الرسالة .. أعني العلماء، فيا ويل الذين يفترون منهم الكذب، ويحرفون الكلم عن مواضعه. و قد اختُلف في الأخذ باليمين، فقال جماعة
إنه كناية عن الأخذ الشديد باعتبار اليمين رمز القدرة]
، وقال آخرون
إنه أخذ القوة منه أي سلبنا منه القوة]
[٣]، لأن القوة في اليمين، فإذا أخذت انتفت، وفي المجمع
لأخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الإذلال، كما يقول السلطان: يا غلام خذ بيده، فأخذها إهانة، وقيل: معناه لقطعنا يده اليمنى]
[٤]، ويبدو لي أنه الأخذ الشديد، وأخذ الله دائما يكون شديدا. أما كيف يأخذ الله؟ فذلك من شأنه.
«ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ» في الدر المنثور: عرق القلب (عن ابن عباس)، وعن عكرمة قال
نياط القلب]
[٥]، وفي بعض كتب اللغة: عرق في القلب يجري منه الدم إلى العروق كلها، والمهم أنه العرق
الذي لو قطع لما بقي الإنسان حيا .. ولو أخذ الله أحدا بيمينه فقطع منه الوتين فمن يستطيع أن يمنع عنه إرادة الله؟
«فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ» أي مانعين يمنعون نفاذ أمر الله في شأنه. والآية قمة في
[١] الكشاف: ج ٤، ص ٦٠٧.
[٢] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠، ص ١١٨.
[٣] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١١٨.
[٤] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٤٢.
[٥] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٦٣.