من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٤ - وإنه لحق اليقين
ونعود إلى الآيات الكريمة، ونستمع إلى صفات أصحاب الشمال، فما هي؟.
الصفة الأولى: عدم الإيمان بالله «إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ» وعندما كفروا بالله العظيم استحقوا جزاء الضعف من العذاب. لماذا؟.
أولًا: لأن الله عظيم انتشرت آيات قدرته وجلاله في كل شيء، فكيف جاز لهم الكفر به مع ذلك؟.
ثانياً: أن الذنب يزداد قبحا حينما يكون عصيانا لرب عظيم.
ولقد عبر أئمة الهدى عن هذه الحقيقة بقول الإمام السجاد عليه السلام
لَا تَنْظُرْ إِلَى الذَّنْبِ وصِغَرِهِ وَلَكِنِ انْظُرْ مَنْ تَعْصِي بِهِ]
[١]، فكيف وأن عدم الإيمان بالله أصل كل خطيئة وذنب؟.
إن عدم الإيمان جذر كل فساد وضلال وفاحشة وزيغ، فمن كفر بالله أشرك به، لأن من لا يؤمن بالله سيتبع غيره ويتأله إليه بشرا أو حجرا أو هوى نفس، ومن لم يؤمن بالله ضل ضلالا بعيدا، لأنه لم يتبع رسالته فتراه يتخبط في ظلمات الباطل، ومن كفر بالله أوغل في الفواحش بغير حساب حيث إن الإيمان هو الذي يحجز البشر عن الزيغ ويردعه عن المعاصي.
وقد وصف القرآن ربنا بالعظمة هنا لأمرين
الأول: لكيلا يظن أحد أنه تعالى حينما يعذب المجرمين بذلك العذاب الغليظ الذي وصف آنفا في الآيات: (٣٠- ٣٢) أو ما سيأتي بيانه في الآيات (٣٥- ٣٦) فإنه يظلمهم، كلا .. إن الجزاء يبقى أبدا أقل من الذنب.
الثاني: ربما لكي نهتدي إلى أن مشكلة الكثير من أصحاب الشمال وربما كلهم ليس محض الكفر بالله، ولكن مشكلتهم عدم الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى، كما قال تعالى «مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» [الحج: ٧٤]، فأشركوا بالله أو آمنوا بصفات تعالى ربنا عنها: جسدوه أو زعموا
أنه مغلول اليدين أو أنه- سبحانه- ظالم للعبيد أو هازل في الوعيد أو ما أشبه وكان ذلك مساوقا لعدم الإيمان به رأسا، وهذه كلها جرَّتهم إلى وادٍ سحيق من الانحراف والضلال في الدنيا والعذاب في الآخرة.
من هنا نستطيع القول: إن حقيقة التسليم والعبودية لله عز وجل تتأسس بصورتها السليمة على المعرفة بعظمته من خلال آياته وأسمائه الحسنى، ومن ثم استشعار عظمته في القلب.
[١] بحار الأنوار: ج ٧٣، ص ١٥٤.