من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٣ - وإنه لحق اليقين
أبدانهم من كل ناحية، فأصل السلك من إدخال الشيء في الشيء، كإدخال الإبرة في الخيط، وكذلك ينظم فيه الخرز ونحوه، ويقال
دخل السلك العسكري أي انسلك في الجندية] [١].
الثاني: أنه يُطوَّق بالسلسلة وتُلفُّ عليه فكأنه يسلك فيها، قال الزمخشري في الكشاف
أي تلوى عليه حتى تلتف عليه أثناؤها] [٢].
وقبل أن ننطلق مع الآيات في بيانها للذنوب الأساسية التي صارت بهم إلى ذلك العذاب المقيم نقف عند اللهجة القرآنية المتفردة بها هذه السورة، أعني إضافة الهاء في الكلمات: (كتابيه، حسابيه، ماليه، سلطانيه) وما هو وزنها من الناحية اللغوية؟.
لقد اختلف المفسرون والقراء أمام هذه الظاهرة القرآنية فقيل
١- إن الهاء للسكت والاستراحة ومن ثم يجب الوقف عندها بين الآيات لتصح القراءة ولتثبت الهاء، ثم ترى البعض قد أوجب الوقف معتبرا الهاء جزءا من القرآن لا يجوز حذفه بالوصل عند القراءة ولا بغير ذلك.
٢- وقال البعض: إنها جعلت لنظم رؤوس الآي، وذلك مما لا يليق نسبته لكلام الله عز وجل، لأنه كما تؤكد الآية: (٤١) «وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ»، لأن الشاعر يعتبر القافية أصلا فإذا عجز من نظمها تخبط في النحو والصرف والمعنى من أجل حفظها واحدة!. وحاشا لله؛ أنه تعالى لو أراد النظم أن تعجزه القوافي، ثم من قال أن القرآن يلتزم بالقافية في سوره وآياته؟ فهذا قوله تعالى «لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَرَاهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً» [المعارج: ٢- ١٠].
٣- والذي يبدو لي أن الهاء ليست زائدة حتى تحذف بالوصل في القراءة، وأنها لم توضع لنظم نهايات الآي، وليست إضافتها خارجة عن لغة القرآن (العربية) التي أنزل بها، كيف وهو ميزانها. ولقد
أخطأ أولئك الذين حاولوا تقييم كلام الله بشعر العرب وكلامهم. ويجب ألَّا يدعونا عجزنا عن إدراك بعض المعاني القرآنية إلى افتراضات بعيدة، على أن للصيغة (كتابيه، حسابيه) إيحاء نفسيًّا قد يبلغه الباحثون في يوم من الأيام. وما يهمني التأكيد عليه أننا لم نؤت من العلم إلا قليلا، فالموقف السليم عند العجز عن فهم الآيات هو الاعتراف بالجهل والتواضع للحق لا الخوض فيما لا نعلم أو الطعن في كلام الله.
[١] المنجد: مادة سلك.
[٢] الكشاف: ج ٤، ص ٦٠٥.