من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٤ - وتعيها أذن واعية
خرجت عن التقدير والتدبير، كذلك تجاوز الخطر عن النبي هود والذين آمنوا معه (حيث كانت تمر عليهم كالنسيم) دليل على أنها كانت مسخرة مدبرة.
ونتساءل: لماذا لم يجعل الله الريح لحظة واحدة وهو قادر على إهلاكهم بها؟ ربما صيَّرها الله سبع ليال وثمانية أيام لأنه أبلغ أثرا في نفوس المعذَّبين حيث المدة أطول، كما أنه أفضل موعظة في قلوب المؤمنين والمعاصرين لهم، وأشد تحذيرا للاحقين، ولعل في ذلك إشارة عبر التاريخ إلى مدى تحصنهم وأسباب البقاء التي كانت في حضارتهم، قال الطبرسي في مجمع البيان
الحسوم: المتوالية، مأخوذة من حسم الداء بمتابعة الكي عليه، فكأنه تتابع الشر عليهم حتى استأصلهم، وقيل: هو من القطع، فكأنها حسمتهم حسوما، أي أذهبتهم وأفنتهم، وقطعت دابرهم]
[١]، وسمي السيف حاسما
لأنه يحسم الأمر ويقطعه (ويقطع المضروب به] [٢].
«فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ» أي في تلك الأيام والليالي، أو في قراهم، وحيث وقعوا صرعى فهم أشبه ما يكونون بجذوع النخل المنتشرة على الأرض والخالية بالنخر من داخلها فهي لا تنفع لبناء ولا لغيره [٣]. والمنظر صورة للحديث الشريف
مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ]
[٤]، والآخر
مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَع]
[٥]، وإنها لعاقبة كل من يكذب بالحق ويتنكب عن طريقه.
واللطيف في تعبير القرآن مخاطبته المباشرة للرسول صلى الله عليه واله ومن خلاله كل تالٍ للآيات، حيث يقول «فَتَرَى»، وذلك أن الله لا يريد من نقل القصص مجرد المعرفة أو التسلية، بل يريد من سامعها الاتعاظ والاعتبار، والذي يتم بتخيل القصص ومشاهدها والحضور في أحداثها وخلفياتها، وبعبارة أخرى: أن يكون الإنسان نفسه شاهدا عليها، ولا شك أن القلب والعقل أعظم شهادة وحضورا، والإنسان قادر على الحضور بهما، ورؤية حتى الماضي والمستقبل، فالخطاب هنا موجه للأذن الواعية. ثم يؤكد ربنا بالتساؤل: إن قوم عاد أهلكوا جميعا، فلم يبق منهم أحد «فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ» قيل
لم يبق لهم أثر
من نفس وغيرها، وقيل: بل المعنى لا ترى من نفس باقية فقط]
[٦] وهكذا حصروا الهلاك في النفوس لقوله تعالى عن قوم عاد «فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ» [الأحقاف: ٢٥]، وهذا هو الأقرب. إذن
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٣٤.
[٢] التحقيق في كلمات القرآن: مادة حسم، ج ٢، ص ٢٢١.
[٣] مر بيان مفصل في معنى «أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ» في الآية ٢٠ من سورة القمر فراجع.
[٤] الكافي: ج ٨، ص ٦٧.
[٥] بحار الأنوار: ج ٢، ص ١٤٣.
[٦] الدر المنثور والكشاف والرازي.