من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٢ - وتعيها أذن واعية
يملك أدوات يتمكن بها وعي أحداثها العظيمة.
[٤- ٨] إذن فكيف نؤمن بالحاقة؟.
إننا لسنا مطالبين بمعرفة دقائق القيامة وتفصيلات وقائعها، فإذا عجزنا عن ذلك كفرنا بها. كلا .. إنما يكفي لكي يأخذ الإيمان بها دوره في حياتنا أن نسلِّم بأصل وجودها، وكونها حقًّا لازما مفروضا من قبل الله عز وجل .. وإن نظرة معتبرة إلى التاريخ تهدينا إلى ذلك، حيث إن كل ما حل بالأقوام الأولين صورة مصغرة عن سنة الجزاء، التي تتجلى بكامل حجمها ومعناها يوم القيامة، والدراسة الموضوعية لحضاراتهم وبالذات عند منعطف النهاية والدمار تكشف بوضوح أن حركة التاريخ ليست عفوية تدور في الفراغ، بل هي محكومة بقوانين وسنن ومن أبرزها- على صعيد الأمم- سنة الجزاء، ويضرب القرآن أمثلة على ذلك رابطا بين دمار الأقوام بالعذاب وتكذيبهم بالحق «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ» وثمود قوم صالح عليه السلام وعاد قوم هود عليه السلام، والقارعة التي تقرع الناس، وأساس القرع في اللغة هو الضرب، يقال: قُرعت البابُ إذا دُقَّت وضربها ضارب، وقرعته بالعصا: أي ضربته، وسواء كانت القارعة هي الواقعة التي قرعت حياتهم في الدنيا، أو الآخرة التي سوف تقرع الدنيا عند الساعة، فأصلها واحد وهو الجزاء، وحيث ندرس حياة عاد وثمود نجد أنهما كذبوا ليس بالجزاء وحسب، بل كذبوا بالرسل والرسالات وسائر آيات الله، ولكنهم في الحقيقة إنما انطلقوا إلى كل ذلك التكذيب العريض والشامل من خلال التكذيب بالجزاء وبالذات الآخرة، الأمر الذي دعاهم بالإضافة إلى التكذيب بالحقائق الأخرى إلى الطغيان في الانحراف، وممارسة الذنوب، وهذه نتيجة طبيعية للتكذيب بالجزاء أن يتحلل البشر من قيود المسؤولية وحدودها.
ولكن هل بقيت ثمود وعاد على التكذيب بلا رادع؟ كلا .. «فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ» وفي الطاغية قولان قريبان من المعنى
الأول: أنها الصيحة التي أرسلها الله عليهم، فجعلتهم غثاء خامدين، وسوَّى بها بيوتهم، وسميت بالطاغية مبالغة في وصف عظمتها، وإشارة إلى أنها جاءت خارج السياق المعتاد للظواهر، وزائدة عن حد القوانين الطبيعية فإنا نقول: طغى الماء: إذا تجاوز الحد، وفاض به النهر.
الثاني: ولعلها اسم لحالة الطغيان، قال تعالى «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا» [الشمس: ١٥- ١١]، والذي يبدو أن