من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٨ - فاصبر لحكم ربك
الساق لأن ساق الشيء أصله، وعلى هذا قيل ساق الشجرة. ويوم القيامة هو يوم الكشف عن أصل الحقائق فهنالك يكشف للناس الحق الأصل وأعمالهم، قال علي بن إبراهيم: يوم يكشف عن الأمور التي خفيت [١]، ولعلنا نلمس تلويحا إلى هذا المعنى في قوله تعالى «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» [ق: ٢٢]. إذن فيوم القيامة هو يوم سقوط الحجب عن الحقيقة ليراها الناس كما هي، وهل ترى الساق إلا حينما يكشف عنها ما يمنع الرؤية عنها؟!.
وكذلك يتضح للمجرمين بطلان حكمهم بالتساوي مع المسلمين، وأنه ليس من كتاب يؤيد ذلك، ولا يمين بالغة قطعها الله على نفسه لصالحهم، ولا شريك موجود فينفعهم يوم القيامة إن لم يكتشفوا ذلك بأنفسهم في الدنيا، فيهتدوا للحق، ويسلموا لله بدل ممارسة الجريمة حيث الفرصة قائمة لا تزال، وإلا فإن شيئا من ذلك لا ينفعهم قيد شعرة في الآخرة لأنها دار جزاء لا عمل فيها. «وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ» دعوة تشريعية يوجهها منادي الحق يومئذ، وتكوينية يفرضها هول الموقف وعظمة تجليات الحقيقة، وهنالك يستجيب المؤمنون لربهم بطبيعة التسليم التي كانوا عليها في الدنيا، وبفعل الخشية من مقام الله، بل لا يملك أحد من أهل المحشر إلا الاستجابة لدعوة الحق لولا أنه تعالى بحكمته يمنع المجرمين من ذلك «فَلا يَسْتَطِيعُونَ» جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه واله
تَبْقَى أَصْلَابُهُمْ طَبَقاً وَاحِداً]
[٢] أي فقارة واحدة، وفي نور الثقلين عن الإمام الرضا عليه السلام
تُدْمَجُ أَصْلَابُ الْمُنَافِقِينَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ]
[٣]، وبالإضافة إلى هذا المعنى الظاهري تتسع الآية لمعنى أعم وهو أن المجرمين لا يملكون يوم القيامة أية حرية، ليعلموا أن ليس لهم ما يتخيرون ولا ما يحكمون كما كانوا يظنون، وليسوا على وضعهم في الدنيا حيث أطلقوا العنان لأهوائهم فلم يراعوا حلال الله وحرامه ولا حقًّا وباطلا، وبالذات أولئك الذين تسلطوا على رقاب الناس فتمادوا في الجريمة طغيانا وظلما.
ويصور لنا القرآن حالهم حيث الهوان الظاهر على جوارحهم ووجوههم، والذلة الباطنة التي تكاد تقتلهم إرهاقا في المحشر. وقد شمخوا بأنوفهم حتى كادت تستطيل مثل الخرطوم، واستكبروا وبالغوا في التظاهر بالعزة في الدنيا لأنهم في أيديهم المال والسلطة وحولهم الاتباع «خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ» مرسلة إلى
الأسفل لا يرفعونها بين الناس لما هم فيه من ذل الموقف الذي لا يستطيعون معه حتى النظر إلى الآخرين. «تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» أي تغشاهم وتعلو وجوههم
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٨٣.
[٢] الكشاف: ج ٤، ص ٥٩٥، نور الثقلين: ج ٥، ص ٣٩٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ٤، ص ٧.