من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٣ - فاصبر لحكم ربك
يكادون من الحقد والبغض يزلقونه بأبصارهم، ويمارسون ضده حربا إعلامية شعواء سلاحها الشائعات والتهم والدعايات المغرضة، الآيات (٤٨- ٥١).
وكما يجب أن يستقيم الداعية على أهدافه الربانية دون يأس من إصلاح الناس، كذلك يجب ألَّا يفقد ثقته برسالته فيشكك نفسه في قيمها لعدم تجاوب الناس معه أو لإعلام المترفين والمتسلطين ضدها.
بينات من الآيات
[٣٤- ٣٨] بعد التحذير من العذاب في الدنيا ومن العذاب الأكبر في الآخرة يرغبنا السياق في الجزاء الحسن الذي أعد للمتقين دون سواهم، وذلك بالتأكيد على أنه لا يشمل كل من هب ودب، لأن للجزاء الإلهي مقاييس دقيقة حيث يتناسب بنوعه وقدره ودرجات الناس الإيمانية وأعمالهم الصالحة «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ»، ولم يقل: (نعيم)؛ لأن الألف واللام يجعلان الكلمة أوسع معنى، فبينما يدل قولنا: (نعيم) على جزء منه يتسع النعيم لتمام المعنى مما يتناسب ومعالجة السياق لموضوع الترف حيث يسمو بالمؤمنين عن فتن الدنيا ويفتح أمامهم أفقا من النعيم الذي لا ينتهي عند حد ولا زمان فتتصاغر عنده الدنيا، فلا يجدون ضيرا لأنها زويت عنهم، لأن الآخرة خالصة لهم، كما قال تعالى «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [الأعراف: ٣٢]، وبهذا تتعادل الصورة في أذهان المتقين بأنهم أن لم يملكوا في الدنيا من متاعها فالآخرة خالصة لهم. وببيان هذه الحقيقة (أن الجنات للمتقين) يمهد القرآن لإبطال أماني المجرمين بتساويهم مع المؤمنين في الجزاء، وتلك الأماني عامل من عوامل تكذيب المترفين الرسالة يعالجها القرآن الكريم في هذا السياق، وهي التالية
أولًا: الأمنيات الباطلة بالتساوي في الجزاء مع المؤمنين
هل يتساوى الصالح والطالح؟ كلا .. إنه مرفوض عند كل عاقل «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ»، والمسلم هو الذي سلَّم نفسه لله بتطويعها وفق أوامره. والسؤال: لماذا قدم المسلمين على المجرمين في حين يفترض العكس باعتبار السياق ينفي مزاعم المجرمين بأنهم متساوون مع المتقين في الثواب؟ ولكن المتدبر حينما يمعن النظر يهتدي إلى لطائف بلاغية لترتيب الكلمات في الآية
١- أنه تعالى في نهاية قصة أصحاب الجنة أكد حقيقة العذاب وأنه في الآخرة أكبر، مما