من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦ - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
وفي هذه الآية بيان لمراحل الانحطاط التي يمر بها المنافقون وهي ثلاث: (الإيمان، الكفر بعده، الطبع على القلوب)، كما تنطوي على تحذير للمؤمنين بأنهم معرضون للوقوع في النفاق عبر تلك المراحل. أوليس أولئك بدؤوا مؤمنين وانتهوا إلى منافقين؟، إذن فكل مؤمن يمكن أن يصبح منافقا في يوم من الأيام إن لم تبق أسباب إيمانه، لأن الإيمان كيان متكامل قائم على أساس مجموعة من العقائد والسلوكيات والأعمال، والكفر هو الكيان المناقض له، فكلما انسحب الإنسان خطوة من دار الإيمان وكيانه دخل بقدرها دار الكفر وكيانه، فالصدق والأمانة والوفاء من الإيمان، والكذب والخيانة والخلف من الكفر، والتعبير الحسن عن هذه الحقيقة نجده في نصوص الروايات أن الخلق الفلاني شعبة من النفاق أو خصلة من خصال المنافقين، وجاء في حديث نبوي عن رسول الله صلى الله عليه واله قوله
أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَ إِنْ كَانَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَ إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَ إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَ إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ] [١].
فإذا تمحض أحد في الشر صار كافرا، وإذا أصر على الشر المحض طبع على قلبه [٢]، وقد طبع على قلوب المنافقين بالكفر والنفاق إلى حد لم تبق معه وسيلة حسية ولا عقلية يهتدون بها إلا الإيمان والصلاح أو يفرقون بها بين الكفر والإسلام.
«فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ» أي لا يفقهون دلالات الآيات فيهتدون إلى الحق، ليس لأن الله يسلبهم السمع والأبصار والأفئدة فهي موجودة ولكن لا ينتفعون بها، كما وصفهم الله بقوله «لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ» [الأعراف: ١٧٩].
وإذا تعطل العقل عند الإنسان؛ وفقد الوعي والقدرة على التمييز، فهل يبقى منه سوى مظهره الخارجي وصورته المادية؟، وما هو الفرق إذن بينه وبين الحيوان أو الجماد؟!، ولا عجب أن يشبه القرآن المنافقين آنئذ بالخشب المسندة.
[٤] ويعرض السياق لبيان جانب من الصفات اللصيقة بالشخصية المنافقة، والتي يتميز بها المنافقون عن غيرهم في المجتمع، وهي
١- المزيد من الاعتناء بالمظاهر الدينية بهدف خداع الناس وإثارة إعجابهم، فقد تراهم
[١] بحار الأنوار: ج ٦٩ ص ٢٦١، تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ١٢٢.
[٢] وقد وردت في الروايات تحذيرات كثيرة من الاغترار بالإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه واله
: (الْعُلَمَاءُ كُلَّهُمْ هَلْكَى إِلَّا الْعَامِلُونَ وَالْعَامِلُونَ كُلَّهُمْ هَلْكَى إِلَّا المُخْلِصُونَ وَالمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَر]
. تنبيه الخواطر (مجموعة ورّام): ج ٢، ص ١١٨.