من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٧ - ولا تطع كل حلاف مهين
وأورثهم إياها كان قد عَوَّد المساكين على المعونة يوم الصرم من كل عام، وقد أخذ أصحاب الجنة ذلك بعين الاعتبار في خطتهم واحتاطوا للأمر بحيث إنهم من الناحية الظاهرية ما أغفلوا شيئا.
«وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ» في ظنهم، إذ أحكموا خططهم وكيدهم من كل الجوانب. واختُلف في معنى الحرد فقيل: هو القصد [١]، فالمعنى غدوا على قصدهم الذي قصدوا أي الصرم والمنع قادرين عند أنفسهم، وقيل: الغضب [٢]، وقيل: المنع [٣]، وقيل: الجد [٤]. ويبدو لي أنه المنع المقصود الجاد والمُشَرَّب بالحقد والغضب على المساكين والنفور منهم. وإنما تصوروا أنفسهم قادرين على ذلك لأنهم أخذوا بكل الأسباب التي من شأنها إيصالهم إلى الهدف، وغاب عنهم- بسبب ترفهم وضعف إيمانهم- أن قدرة الله المطلقة فوق كل شيء، وأنه وحده الذي لا يمنعه مانع. ومشوا نحو جنتهم وكلهم ثقة بأن ما أرادوه سوف يتحقق.
«فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ» عن الحق، وأن شيئا لا يصير إلا أن يشاء الله، وأنه يعلم حتى السر، وأن في الإنفاق في سبيل الله خيرا عظيما وبركة، وقيل: ضالون أي أننا ضيعنا الطريق وصرنا إلى غير جنتنا إذ لم يصدقوا أنفسهم أن الأرض التي تركوها أمس بأفضل حالة قد تحولت إلى بلقع فزعموا أنهم قد ضلوا الطريق إلى أرضهم إلى غيرها، ولكن كيف يضيع الإنسان أرضه؟! كلا .. إنها أرضهم بعينها، وإنهم ضالون عن الحقيقة وليسوا ضالين عن جنتهم، وإنهم حرمهم الله بمشيئته وحكمته «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» و ثمة علاقة بين ضلالهم وحرمانهم وهي أن بلوغ الإنسان تطلعاته وأهدافه المعنوية والمادية متصل بالمنهج الذي يتبعه في الحياة، فحينما يخطئ اختيار المنهج أو يضل عن المنهج الصحيح فإنه بصورة طبيعية مباشرة سيحرم ليس من معطياته المعنوية بل حتى المادية منها، وهذا ما وقع فيه أصحاب الجنة، وفي الحديث قال الإمام الباقر عليه السلام
إِنَّ الرَّجُلَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُدْرَأُ عَنْهُ الرِّزْقُ] [٥].
ونستوحي من الآية بصيرة أخرى وهي: أنهم اهتدوا إلى أن الحرمان الحقيقي ليس قلة المال والجاه بالمسكنة، وإنما الحرمان والمسكنة قلة الإيمان والمعرفة بالله بالضلال. و هكذا أصبح الحادث المريع بمثابة
صدمة قوية أيقظتهم من نومة الضلال والحرمان، وبداية لرحلة العروج في آفاق التوبة والإنابة، والتي أولها اكتشاف الإنسان لخطئه في الحياة. وهكذا نهتدي
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٢٥، الكشاف: ج ٣، ص ٥٩١، البصائر: ج ٤٨، ص ٢١٧.
[٢] المنجد: مادة حَرَدَ.
[٣] مفردات غريب القرآن: ص ١١٣.
[٤] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٥٣.
[٥] الكافي: ج ٢ ص ٢٧١.