من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٨ - ولا تطع كل حلاف مهين
الثاني: فصل القيادة عن المجتمع حتى تظل أذنا صاغية لهم وحدهم، فتكون قراراتها ومواقفها لصالحهم فقط، بل لا يريدون أحدا سواهم يتصل بمركز القوة في الأمة، لتكون لهم اليد الطولى فيها. ولأنهم عادة ما يكونون من الطبقة المستكبرة المترفة فإنه يهمهم أن يوجدوا فاصلة بين الأمة وبين القيادة لكي يبقى الناس فريسة لسياساتهم الاستغلالية والمنحرفة دون علم من القيادة يدعوها للتدخل ضدهم.
الثالث: ضرب القوى الإصلاحية والمنافسة، فأنى ظهرت بوادر الإصلاح تصدوا لها، وسودوا الصفحات بالتقارير المضللة التي لا تحوي سوى الطعن والكذب على الآخرين، وملؤوا بيت القيادة وأذنها بالشائعات المغرضة وبالتهمة والبهتان، وكل ذلك ليصير القائد مَقْمَعا في يدهم يضربون به يمينا وشمالا هذا العالم وذلك المُصلِح وتلك الحركة الرسالية.
«هَمَّازٍ» قيل
الهماز هو المغتاب، وفي اللغة: الطعَّان العَيَّاب النَخَّاس]
، وقال صاحب البرهان
لكن في الصحاح همزه أي دفعه، وقوس همز أي شديدة الدفع للسهم، وفي النهاية: كل شيء دفعته فقد همزته، وفي سورة المؤمنين
«أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ»
أي وساوسهم ونخساتهم وغمزاتهم]
[١]. وأضاف مجمع البيان قائلا: والأصل فيه الدفع بشدة اعتماد، ومنه الهمزة حرف من الحروف المعجمة فهي نبرة تخرج من الصدر بشدة اعتماد] [٢]، ويبدو لي أن الهماز هو الذي يثير الناس ويستحثهم ويحركهم ضد الآخرين بالكلام أو الفعل، وآلة الهمز حديدة في مؤخر خف الرائض، أو عصا في رأسها حديدة تنخس بها الدابة فتُستثار لتحث المشي. وما أكثر ما جر المترفون بهمزهم القيادات عبر التاريخ إلى مواقف وآراء راح ضحيتها الأبرياء والصالحون. ولعل من وسائل همزهم النميمة التي يبالغون فيها وفي المشي بها بين الناس كما تمشي جراثيم الأوبئة بالمرض.
«مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ» فأنى ما حل وارتحل حمل معه داء التفرقة، والنميمة هي نقل كلام الناس على بعضهم عند بعض مما يميت الألفة ويحيي الفتنة، وهي بذلك تعد من أعظم الذنوب وأخطرها لأنه يهدد وحدة الأمة وصفاء أجوائها، وفي هذه الحقيقة وردت الأحاديث الإسلامية: قال رسول الله صلى الله عليه
واله
يَا عَلِيُّ كَفَرَ بِالله الْعَظِيمِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَة (منهم): العَيَّابُ وَالسَّاعِي في الفِتْنَةِ]
[٣] وقال صلى الله عليه واله
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله،
[١] تفسير البرهان: ج ٤، ص ٣٤٠.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤١٩.
[٣] تفسير نور الثقلين: ج ٥، ص ٣٩٣