من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٧ - ولا تطع كل حلاف مهين
الفريق الثاني: المنافقون في المجتمع المسلم، الذين يتمسكون بقشور الدين، كالصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصوم الذي لا يورث تقوى ولا يعطي صاحبه إحساسا بألم الفقراء، والإنفاق المحفوف بالرياء وحب السمعة، وهكذا الممارسات التي فُرِّغت من محتوياتها الإصلاحية، وهؤلاء لا ريب يكذبون بكثير من الحقائق الإلهية كالجهاد، وحرمة الاستغلال، ويودون لو تداهنهم القيادة الرسالية، ولكنهم لا يجهرون بذلك.
وما يبدو من الآيات التي تبين صفاتهم أن أهم هدف يسعون لتحقيقه من تزلفهم للجهاز الديني في الأمة أن يجعلوه مَقْمَعا في أيديهم يضربون به الآخرين، كالمحرومين المستضعفين والمصلحين المغيرِّين أفرادا وجماعات، والسبب أنهم لا يريدون إلا مصلحتهم، كما أنهم أول من يعارض الإصلاح والتغيير، ذلك أن وجود الأنظمة الفاسدة والمنحرفة عن الحق عامل أساسي في استغلالهم للفئات الاجتماعية المحرومة ووصولهم إلى مآربهم المادية. فما هي صفات هذا الفريق؟.
١- المبالغة في الحلف إلى حد الاحتراف، من أجل إعطاء كلامهم قيمة شرعية ومن ثم التأثير به في موقف القيادة ورأيها، خصوصاً أن للإيمان اعتباراً عظيماً عند المؤمنين، ولا يعني ذلك أن المترفين من هذا الفريق يقتصرون على مجرد الحلف، فهم يكذبون وينمقون الكلام بشتى الوسائل، وما الحلف إلا واحد منها، وعلى القائد أن يحذرهم.
«وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ»، ويبدو أن كلمة «مَهِينٍ» من الهوان والضعة حيث إن الحلاف إنما يلجأ إلى ذلك كونه حقيرا في نفسه وعند الناس، وانطلاقا من ذلك يحس على الدوام ويظن أن كلامه لن يُعطى اعتبارا وقيمة عند الآخرين، الأمر الذي يلجئه إلى المبالغة في الإيمان ليصطنع قيمة لكلامه بها لعله يكون مقبولا. و عادة ما يحاول الوضعاء الذين تمكنت من أنفسهم عقدة الحقارة أن يوصلوا أنفسهم بمراكز القوى في المجتمع دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية ليغطوا على ضعتهم ويجبروا نقصهم، وإنك لو فتشت في أجهزة القمع والتجسس الطاغوتية فلن تجد إلا أمثال هؤلاء.
٢- الهمز والمشي بالنميمة في المجتمع، وبالخصوص عند القيادة، وذلك لأهداف ثلاثة
الأول: لكي يبقوا هم في المجتمع الشخصية الأفضل، فتجدهم يدأبون في إسقاط الشخصيات المحترمة، وذلك بتقليل قدرهم عند القيادة والمجتمع، وتلفيق التهم. ولقد ثبت في علم النفس
أن أصحاب عقدة الهوان والحقارة تنمو فيهم روح الانتقام من المجتمع، ويسعون لكي يكون مجتمعا ساقطا مثلهم فلا يُحسبون شاذين.