من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٣ - ولا تطع كل حلاف مهين
أنزل الله
«وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»] [١]، وهذه بعض أخلاقه صلى الله عليه واله
كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله حَيِيّاً لَا يُسْأَلُ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ]
[٢]، وكان يقول لأصحابه
لَا يُبْلِغْنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَصْحَابِي شَيْئاً فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَ أَنَا سَلِيمُ الصَّدْر]
[٣]، و
كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله أَجْوَدَ النَّاسِ كَفّاً وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً مَنْ خَالَطَهُ فَعَرَفَهُ أَحَبَّهُ] [٤].
[٥] رابعاً: ويبقى المستقبل دليلا فصلا يكشف عن الحقيقة للجميع، وهنالك يتبين العاقل والمجنون، فهل هو أبو لهب وأعداء الرسالة الذين خُلِّدوا باللعنة، أم الرسول صلى الله عليه واله وأتباعه الصادقون؟ «فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ» باعتبار كل المقاييس المادية والمعنوية عندما يأتي المستقبل بالحقيقة.
«٦ بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ» أي المجنون، لأن افتتان الإنسان بأي شيء دليل اتباعه لغير العقل، فإن العاقل لا ينهزم في الابتلاءات وعند الفتن، إنما يتجاوزها وينتصر عليها، والمفتون يعني أيضاً: المضلَّل المصدود عن الحق. فالمعنى أنكم ستبصرون في المستقبل بمَنْ هو مجنون ومن هو عاقل، أو تكون الباء بمعنى في فيكون المفهوم أنكم سوف ترون في أيِّكم سكن الشيطان (المفتون عن الحق) فأعماه عن رؤيته، وفتنه مثله عنه. وبالتالي سيظهر الطرف المحق الذي يتلقى الهدى من ربه وهو الرسول، وأن الرسالة ليست من إلقاءات الشيطان كما يزعم الجاهليون، بل مواقفهم المعادية لها وللنبي وبهتانهم العظيم. ويبدو لي أن الباء هنا ضرورية وليس كما قال بعض المفسرين: إنها زائدة، وذلك لأن الجنون حقيقة معنوية لا يمكن أن يبصرها الإنسان بذاتها، وإنما يبصرها من خلال الدلالات والعلائم الموحية بوجودها، فهي تبصر بالواسطة،
ولعله لذلك جاءت الباء في الكلمة «أَيِّيكُمْ» كما جاءت في قوله تعالى «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ» [المؤمنون: ٢٠] لأنالشجرة لا تثمر دهنا وإنما تثمر ثمرة فيها الدهن.
ونستوحي من الآية أن المنهج السليم لتقييم الأمور معرفة عواقبها، لأن الإنسان في بادئ الأمر ومع المتغيرات قد يدخله الريب والتردد في استصدار حكمه الأخير على الأمور، ولكنها حينما تستقر في مستقبل الزمن يرى بوضوح تام الموقف الواقعي الحق منها. إذن الإحباطات الآنية التي يواجهها المؤمنون في مسيرتهم وانطلاقا من هذه البصيرة لا ينبغي أن تبعث فيهم
[١] بصائر الدرجات: ص ٣٧٨.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٦، ص ٢٣٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ١٦، ص ٢٣٠.
[٤] بحار الأنوار: ج ١٦، ص ٢٣١.