من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٢ - ولا تطع كل حلاف مهين
أوضح دليل على عقلانيته وسلامة رسالته التي حققت أهدافه باتباعها، لأن وصول الإنسان إلى أهدافه يحتاج إلى معرفة بسنن الحياة وقوانينها.
وكلمة أخيرة نقولها في الآية هي: إن تأكيد الله للنبي وكل رسالي يتبعه أن له أجرا غير ممنون يصنع في الإنسان المؤمن روح التعالي على إغراءات الدنيا التي يقدمها الأعداء والتي قد يثني الافتتان بها الرساليين عن أهدافهم الربانية فيداهنون فيها.
[٤] ثالثاً: وآية أخرى لعظمة الرسول صلى الله عليه واله أخلاقه العظيمة التي فاق بها عظماء البشرية وهم النبيون والصديقون مما يكشف مدى كمال عقله وعظيم حلمه وواسع علمه ونفاذ بصيرته «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، وكفى بعظمة أخلاقه أن يصفه رب العالمين بالعظمة، وكيف لا يكون كذلك وقد أدبه الله حتى قال صلى الله عليه واله
أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبي]
[١] وقال الإمام الصادق عليه السلام
إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ فَأَحْسَنَ أَدَبَهُ فَلَمَّا أَكْمَلَ لَهُ الْأَدَبَ قَالَ
«وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»] [٢].
ومن تأكيد الله أن الرسول على خلق عظيم يتبين أنه صلى الله عليه واله ما كان يتكلف الأخلاق، ولا كانت عرضية تأتي وتزول، بل هي سجايا وملكات اختلطت بكيانه فلا تفارقه ولا يفارقها، وذلك من أفضل ما يصير إليه بشر في الأخلاق. وإنما بلغ النبي تلك العظمة والمكانة الرفيعة لأنه جسَّد الدين في حياته، قال الإمام الباقر عليه السلام في قول الله «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»
هُوَ الإِسْلام]
[٣]، وقال
عَلى دِيْنٍ عَظِيْمٍ]
[٤]، إذن فالطريق إلى العظمة موجود في القرآن، ومن أرادها فإنها ثمرة تطبيقه.
وحيث ندرس حياة حبيب الله صلى الله عليه واله فإننا نهتدي إلى أن من أعظم أخلاقه وما يمكن لإنسان أن يبلغه هو سعة الصدر، التي كانت آلته للرئاسة بعد الإسلام، ووسيلته التي استوعب بها الناس في الدين، وملك قلوبهم .. وفيهم العدو الحاقد، والجلف الصلف، والكافر الجاهل، والمشرك الضال و ..، وإنها لأهم ما يحتاجه المصلحون من الأخلاق، ولذلك مدحه رب العالمين بها وثبَّت ذكرها بالذات في كتابه من دون سائر الأخلاق فقال «وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» [آل عمران: ١٥٩]، وروى البرقي عن أحد الأئمة عليه السلام
إنَّ اللهَ أَدَّبَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه واله فَأَحْسَنَ تَأْدِيْبَهُ فَقَالَ
«خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ»
فلما كان ذلك
[١] بحار الأنوار: ج ٦٨ ص ٣٨٢.
[٢] الكافي: ج ١، ص ٢٦٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦٨، ٣٨٢.
[٤] بحار الأنوار: ج ٦٨، ٣٨٢.