من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤١ - ولا تطع كل حلاف مهين
و ..، وتنطوي على أسرار الوجود، وتكشف للبشرية السنن الإلهية، والأقدار التي تسير الخليقة، وما أمر الخالق به من خير وما نهى عنه من ضر وسوء وشر! بل وتتجاوز هذه الحياة إلى المستقبل الأبدي البعيد لتحدثنا عن العالم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، وتبين تفاصيل دقيقة متناسبة وعقل الإنسان وأحاسيسه، فهل يمكن أن تكون هذه الرسالة طيشا ومن يحملها إلى الناس مجنونا؟!! وهل يتسنى لغير المجنون والمكابر أن يتجاهل حقيقة الرسالة التي هي نعمة ونور ويزعم أنها جنون ونقمة وظلام؟! ولعلنا نستشف من قوله سبحانه «أَنْتَ» أن الذي لا يكتشف الفرق بينهما لهو المجنون حقا وليس أنت يا رسول الله.
وعند التأمل في قول الله «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ» نهتدي إلى فكرتين
الأولى: أن عظمة النبي صلى الله عليه واله ليست بذاته فهو بشر كسائر الناس، وإنما عظمته برسالة ربه (نعمة الله عليه)، وقد قدم ربنا السبب (نعمته) ربما لبيان أنه ليس هناك سبب آخر غير الرسالة استمد منه النبي عظمته وبلوغه كمال العقل.
الثانية: أن إضافة النعمة إلى الله سبحانه ينفي نفيا شديدا مزاعم الكفار بأنه قد تلقَّى الوحي من الجن «فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً» [الفرقان: ٤].
[٣] ثانياً: إن النتائج والمعطيات العظيمة التي وصل إليها الرسول في الدنيا، والتي ستكون له في الآخرة، أظهرت بجلاء أن الرسالة وحي، وأن النبي أعظم الخليقة، وأن جهلهم هو الذي جعلهم لا يفرقون بين العظمة والجنون، ولا بين رسالة الغيب وأساطير الأولين. كيف ذلك؟.
إن الكفار والمشركين كانوا يعدُّون الرسول صلى الله عليه واله مجنونا لأنه ينشد التغيير الحضاري الجذري والشامل ليس لمجتمع شبه الجزيرة العربية فقط بل للبشرية كلها، فيوحد المجتمع المتمزق بالتناحر، والمختلف بالأديان، ويرقى به إلى قمة التقدم الحضاري السامقة، وينتصر على أعدائه الأقوياء والكثيرين وهو اليتيم العائل .. وما إلى ذلك من الأهداف العظيمة. كانوا يعدونه مجنونا لأنه يطلب المستحيل الذي لا
يخطر ببال بشر ولا خياله، ولكن القرآن جاء ونسف هذه المزاعم مؤكدا أن النبي يبلغ ما يريد بإذن الله، كما قال في سورة الضحى «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى» [الضحى: ٥] وكما قال في هذه السورة «وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي غير مقطوع، فهو أجر متواصل يزداد مع الزمن، وما توسُّع الأمة التي بناها صلى الله عليه واله إلا جزء من ذلك الأجر ودليل عليه، فكيف وفي الآخرة ما هو أعظم إذ يعطى من قبل الله الوسيلة والشفاعة وأعلى درجات الجنة والثواب؟ إن بلوغ الرسول صلى الله عليه واله أهدافه التي تراءت لهم بأنها مستحيلة