من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣١ - إن الكافرون إلا في غرور
الأول: الموت والفناء، قال تعالى «وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا» [غافر: ٣٤] أي حتى إذا مات.
الثاني: الموت بالعذاب والدمار، قال تعالى «وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ» [القصص: ٥٩] وتهدينا هذه الآية إلى الحقائق التالية
١- أن الكفار عادة ما يتهربون من مسؤولية الحقائق الإلهية بتحويل قضية الرسالة إلى صراع شخصي بينهم وبين الرسول، وكأن الرسالة قضية تَهُمُّ النبي لذاته وأنه يبحث عن مصلحته الذاتية، لذلك فهو يخوض الصراع مع الذين لا يؤمنون بها. وهذه الآية تبين سفه هذا الرأي وتذكر بأن الرسالة في البدء قضية بين الإنسان وربه وما الرسول إلا واسطة بينهما، وعبد من عباد الله إن شاء أهلكه وإن شاء رحمه، وقد حذر النبي شعيب عليه السلام قومه من الدخول في هذا النفق فقال «وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ» [هود: ٨٩].
٢- وتحذر الآية من الفهم الخاطئ للشفاعة سواء شفاعة الأولياء أو شفاعة الشركاء المزعومين، بزعم أنهم قادرون على منع الله عما يشاء أو التأثير في قراره، الأمر الذي يدعو الإنسان إلى الاسترسال في الانحراف واللامسؤولية. وذلك ببيان أن الأمر لله وحده فيما يريد، فهو بيده أن يهلك الرسول ويعذبه أو يرحمه لو شاء. وهكذا تنسف الآية الأفكار الضالة في الشفاعة، حيث يقول النبي محمد صلى الله عليه واله وهو أقرب الخلق إلى الله وأعظمهم عنده، وهو الموعود بالشفاعة، أنه لا يملك من الله شيئا، فكيف بمن هو دونه من الأولياء الصالحين؟ وكيف بالشركاء الموهومين؟!.
«فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ» فالكافر إذن معذب لا محالة لأن الشفاعة والشركاء الموهومين لا يملكون له من الله شيئا. قال البعض
إنها تربط إجارة الكافرين من عذاب أليم ببقاء
الرسول هاديا ومبشرا ونذيرا]
[١]. ويبدو أن ذلك مستوحى من قوله سبحانه «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» [الأنفال: ٣٣].
[٢٩] وبعد التخويف والتحذير يفتح القرآن على القلوب باب الرجاء بذكر اسم الرحمن حتى لا تصاب باليأس والقنوط «قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ». ويبدو أن في الآية إشارة لطيفة إلى
[١] تفسير الفرقان: ج ٢٩، ص ٥٣.