من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٩ - إن الكافرون إلا في غرور
الأفضل أن يطلعه الله عليها فيجيبهم وينتصر عليهم في الجدال؟.
والجواب: هنا أسباب تكشف عن جانب من الحكمة الإلهية، تبرر عدم الإجابة عن سؤالهم تبريرا موضوعيًّا واقعيًّا، هي
أولًا: لأن عظمة الساعة (ساعة الموت والقيامة) وأثرها في الإنسان يكمن في أنها مستورة، مما يدعوه لاجتناب الباطل واتباع الحق في كل لحظة من حياته خشية أن تحل به الساعة فيها فيلقى ربه على معصية. وإلا لكان الناس يسترسلون في الباطل ويزعمون أنهم سوف يتوبون قبل موتهم بساعة! وقد أشار الإمام الصادق عليه السلام إلى ذلك في حديث مطوَّل بقوله
.. وَإِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ وَانْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَالْمَعَاصِي وَعَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَهَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَقْبَلُه] [١].
ثانياً: أن الكافر الذي أُركس في الغرور والعتو والنفور عن الحق لا يغير فيه إخبار أحد له بموعد الساعة، بل لا يصدق أحدا لو أخبره ولو كان مصيبا، لأن مشكلته أنه لا يؤمن بالأساس وهو الساعة. فهب أن الرسول صلى الله عليه واله قال له: إنك تموت بعد خمسين يوما، أو إن الساعة تقع بعد ألف عام، فهل يصبح من المتقين؟ كلا .. إذ إن سؤاله ليس بهدف معرفة الحق والتسليم له عند ظهوره، إنما لمجرد الجدال والمعاندة.
ثالثاً: أن الرسول وكل داعية إلى الحق ليس مسؤولا أن يجاري الناس وبالذات الملحدين منهم في كل شيء، ويجيب عن كل سؤال، فإن الأسئلة لا تنتهي، ولو أنه ينصب نفسه للرد والمجادلة فسوف يضيع الكثير من وقته وجهوده في أمور لا طائل منها ولا فائدة دون أن يصل إلى ما يريد، وبالخصوص أن من بين الناس من هو بارع في صناعة السؤال الذي لا يهدف من ورائه إلا الجدل الفارغ، إنما مسؤولية المؤمن الرسالي إبلاغ رسالة الله إلى الناس بأمانة ووضوح.
«وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» وتهدينا خاتمة الآية إلى حقيقتين في منهجية الدعوة السليمة إلى الله
الأولى: أن على الفرد الرسالي التحرك وفق ما ترسمه له رسالته وتوحي به أهدافه في الحياة، دون أن يلتفت كثيرا إلى ما يثيره الآخرون- أعداءً ومنافسين وجاهلين- من إشكالات وأسئلة وملاحظات تافهة، لأنه لو التفت إلى ذلك فلن يصل إلى أهدافه.
الثانية: أن التواضع للحق مسألة مهمة في الدعوة، فإذا سئل عما لا يعلم يجب أن يقول: لا أعلم .. وإلا أصيبت مقاتله كما يقول الإمام علي عليه السلام، فليس العيب أن يعترف الإنسان
[١] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٨٤.