من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٥ - تبارك الذي بيده الملك
خطؤهم الفظيع الذي أدى بهم إلى بئس المصير؟ إنه التكذيب بالنذر «فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ» وفي الآية بيان لثلاثة ذنوب كبيرة أقدم عليها الكفار
الأول: تكذيبهم الحق في داخل أنفسهم وعدم استجابتهم له.
الثاني: أنهم بادروا للهجوم المضاد ضد القيم الرسالية التي جاء بها المرسلون وأئمة الحق محاولين سحب الشرعية (أنها من عند الله) عنها، بتصنيفها في خانة القيم البشرية للتحلل من مسؤولية الالتزام بها، وذلك أن الملزِم للإنسان هو الحق الذي يتصل بالله فقط.
الثالث: اتهام النُّذرُ المصلحين بألوان التهم في محاولة لإسقاط شخصيتهم وضرب قيادتهم في المجتمع، ومن أبرزها اتهامهم بالضلالة من خلال قيمهم الفاسدة وثقافتهم الخاطئة.
وكلمة «وَقُلْنَا» تدل على أنهم يحاربون الرسالات والقيادات الرسالية بالإعلام المضلل الذي يحكي ثقافتهم ومواقفهم الجاهلية، والإنسان قادر على القول للآخرين والتعبير عما يريد بوسائل شتى.
[١٠- ١١] وغاب عن الكفار أنهم هم الضالون، وأن وراءهم يوما تنتصر فيه الحقيقة وتظهر رغم أنف أعدائها، يوما يُفصل فيه القول، ويخسر هنالك المبطلون، يوما يشهد فيه الإنسان على نفسه ويعترف بذنبه. «وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ»، فالإنسان إذن يحدد موقفه ومصيره في الدنيا، فهو الذي يختار الحق أو الباطل، وينتمي إلى حزب الله أو حزب الشيطان، وبالتالي يسلك طريق الجنة أو النار، وهذه الحقيقة تكون في أجلى صورها يوم القيامة إذ يلاقي كل واحد مصيره الذي هو نتيجة مباشرة لاختياره وعمله في الدنيا، وكفى بهذا البيان الإلهي داعيا للناس إلى التفكر في مستقبلهم الأبدي.
وفي هذه الآية إشارة لطيفة تتصل بمعارف الإنسان، فهو إما يكون تابعا لعاقل فيسمع منه، وإما أن يكون بنفسه قادرا على الاهتداء إلى الحق والاجتهاد في المعرفة فيعقل، وإما أن يكون ضالا كهؤلاء الكفار الذين كانوا يسمعون ولا يعقلون، بعلمهم بهذه الحقيقة في الدنيا وباعترافهم بها في الآخرة. و إشارة أخرى تهدينا إلى أنهم كانوا شيئيين يقيِّمون الأمور بالمظاهر المادية، فكأنهم يعيشون في الدنيا بأبصارهم فقط وبطونهم و .. أما الأسماع والعقول فإنها معطلة، والحال أن قيمة الإنسان بعقله .. ولو أنهم كانوا
يستفيدون من عقولهم لما ضلوا، لأن العقل يوافق الحق تماماً. قال الإمام الصادق عليه السلام
مَنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ لَهُ دِينٌ ومَنْ كَانَ لَهُ دِينٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ][١].
[١] الكافي: ج ١ ص ١١.