من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠١ - الإطار العام الإنسان بين تقوى الله ومعرفته
الإطار العام: الإنسان بين تقوى الله ومعرفته
لعل زرع الخشية من الله بالغيب هو المحور الذي تتصل به كل آيات سورة الملك، التي هي بداية انعطافة كبيرة في السياق القرآني نحو البصائر التي تنزَّل بها الوحي في الجزأين الأخيرين، واللذين يتألفان في الأكثر من السور المكية التي تذكِّر بأصول الإسلام كالإيمان بالله، وبالرسول والرسالة، وبالآخرة.
١- ففي مطلع السورة يتجلى الله العظيم بأسمائه الحسنى (تبارك، الملك، والقدير، والخالق، والعزيز، والغفور، والرحمن) لأن المعرفة السليمة بالله تضع الإنسان المخلوق بوجدانه وعقله وكل حواسه أمام الله الخالق سبحانه، مما تمنحه الخشية منه عز وجل. ولا ريب أن خشية الإنسان من ربه تكون بقدر معرفته به. أولم يقل تعالى «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ»؟ [فاطر: ٢٨]. ولكي تكون المعرفة بتلك الدرجة نجد السياق يمزج بينهما وبين تعريف الإنسان بأعظم الأهداف التي خُلق من أجلها «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» فليس في منهج الإسلام إذن معرفة لا تقود إلى العمل الصالح، بل إن أحسن الناس عملا أكثرهم معرفة بربه.
ويزداد الإنسان معرفة بربه كلما جال ببصره وبصيرته في الآفاق من حوله، ففيها تتجلى أسماء الخالق (قدرته وعظمته وتعاليه ..) وبالذات إذا كر ببصره مع عقله المرة بعد الأخرى، في مظهر الخلق وجوهره، وفي صلة بعضه ببعض، حيث يتجلى له ربه وجماله الذي عكس بعض آثاره في الكون بمظهره وجوهره ونظامه المتقن الذي لا يعتوره تفاوت ولا فطور. (الآيات: ١- ٥).
٢- ولأن الكفر من الحجب التي تمنع المعرفة بالله ومن ثم خشيته بالغيب جاءت الآيات تذكر الكافرين بعذاب الآخرة، وتحذرهم من التكذيب بالنذر، وسيلةً لهز ضمائرهم وإخراجهم من غرور الكفر وغفلته، إذ تضعهم أمام صور من عذاب الخزي في جهنم التي تكاد تتفجر من