روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - الشهيد الثاني - الصفحة ٣١٩ - (المقصد الثاني في) صلاة (الجمعة)
به قوله : «قد زالت» ولأنّه لا بدّ لتقدير شيء مع الظلّ الأوّل ، وليس تقدير انتهائه مثلاً أولى من تقدير انقضائه ، وبأنّ أوّل الحديث يشعر بخلاف مرادهم ؛ لأنّ فعلها حين الزوال قدر شراك ربما يقتضي مضيّ زمان يسع الخطبة [١] ، وحينئذٍ يمكن كون المراد فعلها في أوّل الزوال الذي لا يعلمه كلّ أحد ، وفعل الصلاة عند تحقّق ذلك وظهوره.
والجواب : أنّ التقييد بالظلّ كافٍ في التمييز عن الفيء الحادث بعد الزوال. ووصفه بالأوّليّة جاز كونه بياناً من قبيل قوله (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [٢] فإنّ الظلّ لا يكون إلا أوّلاً بالإضافة إلى الفيء ، أو يكون احترازاً عن الحادث بعد الزوال ، فإنّه قد يسمّى أيضاً ظلاً ، ومن ثَمَّ يقال : آخر وقتها إذا صار ظلّ كلّ شيء مثله. ويؤيّد هذا المعنى قول جبرئيل بعد الخطبة : «قد زالت فانزل» ولا يحتاج الظلّ الأوّل إلى تقدير شيء ممّا ذُكر ؛ فإنّه وقع ظرفاً للخطبتين ، فيكون المراد فعلهما في زمانه. وفعل الصلاة بعد الزوال قدر شراك لا يدلّ على خلاف ما دلّ عليه الكلام ؛ فإنّ قدر الشراك أمر قليل. ولو فرض طوله ، لم يضر. وفعلهُ لهما في زمانٍ لا يعلمه كلّ أحد إن كان مع علمه بحصول الزوال ، لم يكن لقول جبرئيل بعد ذلك : «قد زالت» فائدة. وإن كان لم يعلم بالزوال حال الخطبة ، كان حكمه حكم ما قبل الزوال ، مع احتياج ذلك كلّه إلى تقدير وتكلّف لا يقتضيه المقام ، فما ذكره الشهيد رحمهالله من الأولويّة في محلّه.
(و) يجب أيضاً (الفصل بين الخطبتين بجلسة) للتأسّي.
ولقول الصادق عليهالسلام : «يجلس بينهما جلسة لا يتكلّم فيها» [٣] وهو خبر معناه الأمر.
ويجب فيها الطمأنينة ، ويكفي مسمّاها ، وفاقاً للتذكرة [٤].
وقد ذكر المصنّف [٥] وغيره [٦] كونها خفيفةً ، فلو أطالها بما لا يخلّ بالموالاة ، لم يضر ، وإلا ففي بطلان الخطبة الماضية نظر من الشكّ في اشتراط الموالاة ، وكونه هو المعهود شرعاً.
[١] المعترض هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد ٢ : ٣٩٣.
[٢] الأنعام (٦) : ٣٨.
[٣] التهذيب ٣ : ٢٠ / ٧٤.[٤] تذكرة الفقهاء ٤ : ٧١ ، الفرع «د».
[٥] قواعد الأحكام ١ : ٣٧.
[٦] كالمحقّق الكركي في جامع المقاصد ٢ : ٣٩٨.