سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٢١ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
القلوب، و تأثيره في النفوس، فإنّك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما، و لا منثورا إذا قرع السّمع خلص له إلى القلب من اللّذّة و الحلاوة في حال، و من الروعة و المهابة في حال آخر، ما يخلص منه إليه قال اللّه- سبحانه و تعالى- لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١] و قال نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر/ ٢٣].
و قال ابن سراقة اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن، فذكروا في ذلك وجوها كثيرة كلّها حكمة و صواب، و ما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره.
فقال قوم: هو الإيجاز مع البلاغة. و قال آخرون: هو البيان و الفصاحة.
و قال آخرون: هو الرّصف و النّظم و قال آخرون: فهو كونه خارجا عن جنس كلام العرب من النّظم و النّثر و الخطب و الشّعر مع كون حروفه في كلامهم و معانيه في خطابهم و ألفاظه من جنس كلماتهم، و هو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم، و جنس آخر متميز عن أجناس خطابهم، حتى إنّ من اقتصر على معانيه، و غيّر حروفه، أذهب رونقه، و من اقتصر على حروفه و غير معانيه، أبطل فائدته، فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه، و قال آخرون: هو كون قارئه لا يكلّ، و سامعه لا يملّ، و إن تكرّرت عليه تلاوته.
و قال آخرون: هو ما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية.
و قال آخرون: هو ما فيه من علم الغيب، و الحكم على الأمور بالقطع.
و قال آخرون: هو كونه جامعا لعلوم يطول شرحها و يشق حصرها. قال الزركشيّ في «البرهان»: أجمع أهل التحقيق على أنّ الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد على انفراده، فإنه جمع ذلك كلّه، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل و غير ذلك مما لم يسبق، فمنها الرّوعة التي له في قلوب السّامعين و أسماعهم سواء المقرّ و الجاحد، و منها: أنه لم يزل و لا يزال غضا طريّا في أسماع السامعين و على السنة القارئين، و منها: جمعه بين صفتي الجزالة و العذوبة و هما كالمتضادّين لا يجتمعان غالبا في كلام البشر.
و منها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره، و جعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه، كما قال سبحانه و تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل/ ٧٦] و قال القاضي و غيره من العلماء: [....] اختلف الناس في الوجه الذي وقع به إعجاز القرآن على أقوال حاصلها: أنّه وقع بعدّة وجوه منها: يخصّ حسن تأليفه، و منها: التئام كلمه، و فصاحته و وجوه إيجازه، من قصر و حذف جزء جملة مضاف أو موصوف أو صفة في نحو «و اسأل القرية» أي أهلها و منادون أي برجال، و «يأخذ كلّ