سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٩ - الباب الثامن عشر في دخول بني هاشم و بني المطلب بني عبد مناف الشّعب و كتابة قريش الصحيفة الظالمة
فلم يزالوا إلى تمام ثلاث سنين.
و بعث اللَّه تعالى على صحيفتهم الأرضة فأكلت أو لحست ما في الصحيفة من عهد و ميثاق- و في رواية أنها لم تترك في الصحيفة اسما للَّه إلا لحسته و أبقت ما كان من شرك أو ظلم أو قطيعة.
و أطلع اللَّه سبحانه و تعالى رسوله على ذلك فذكره رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لعمه أبي طالب، فقال عمه أبو طالب: أربّك أخبرك بهذا؟ قال: نعم. قال: فو اللَّه ما يدخل عليك أحد- و في رواية قال: لا و الثواقب ما كذبتني فانطلق بعصابة من بني هاشم و بني المطلب حتى أتوا المسجد و هم خائفون لقريش، فلما رأتهم قريش في جماعة أنكروا ذلك و ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) برمّته إلى قريش، فتكلم أبو طالب فقال: جرت أمور بيننا و بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم فلعله أن يكون بيننا و بينكم صلح. و إنما قال ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها. فأتوا بصحيفتهم مجمعين لا يشكّون أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يدفع إليهم، فوضعوها بينهم و قالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا و على أنفسكم. فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر هو نصف بيننا و بينكم: إن ابن أخي أخبرني و لم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث اللَّه تعالى عليها دابّة فأبقت اسم اللَّه و أكلت غدركم و تظاهركم علينا بالظّلم- و في رواية: فلم تترك فيها اسما اللَّه تعالى إلا لحسته و تركت غدركم و تظاهركم علينا بالظلم فإن كان كما يقال فلا و الله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، و إن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم. فقالوا: قد رضينا بالذي تقول. ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق (صلّى اللّه عليه و سلم) قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح.
فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قالوا: هذا سحر ابن أخيك. و زادهم ذلك بغيا و عدوانا. فقال أولئك النفر من بني هاشم و بني المطلب: إن أولانا بالكذب و السحر غيرنا، فإنا نعلم أنّ الذي اجتمعتم عليه من قطعتنا أقرب إلى الجبت و السّحر.
و قال أبو طالب: يا معشر قريش علام نحصر و نحبس و قد بان الأمر و تبيّن أنكم أولى بالظلم و القطيعة و الإساءة. ثم دخل هو و أصحابه بين أستار الكعبة فقال: اللهم انصرنا على من ظلمنا و قطع أرحامنا و استحلّ ما يحرم عليه منا. ثم انصرفوا إلى الشّعب.
و كان أبو طالب لمّا خاف دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته اللامية التي تعوّذ فيها بحرم مكة و بمكانه منها و تودّد إلى أشراف قومه و هو على ذلك يخبرهم و غيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لشيء أبدا حتى يهلك دونه.