سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٨ - الباب الثامن عشر في دخول بني هاشم و بني المطلب بني عبد مناف الشّعب و كتابة قريش الصحيفة الظالمة
و قال أبو طالب فيما صنعت قريش من ذلك و اجتمعوا له:
ألا بلّغا عنّي على ذات بيننا* * * لؤيّا و خصّا من لؤيّ بني كعب
ألم يعلموا أنّا وجدنا محمّدا* * * نبيّا كموسى خطّ في أوّل الكتب
و أنّ عليه في العباد محبّة* * * و لا خير ممّن خصّه اللَّه بالحبّ
و أنّ الّذي لصّقتم في كتابكم* * * لكم كائن نحسا كراغية السّقب
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثّرى* * * و يصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنب
و لا تتبعوا أمر الوشاة و تقطعوا* * * أواصرنا بعد المودّة و القرب
و تستجلبوا حربا عوانا و ربّما* * * أمرّ على من ذاقه حلب الحرب
فقلسنا و ربّ البيت نسلم أحمدا* * * لعزّاء من عضّ الزّمان و لا كرب
و لمّا تبن منّا و منكم سوالف* * * و أيد أثرت بالقساسية الشّهب
بمعترك ضنك ترى كسر القنا* * * به و النسّور الطّخم يعكفن كالشّرب
كأنّ مجال الخيل في حجراته* * * و معمعة الأبطال معركة الحرب
أليس أبونا هاشم شدّ أزره* * * و أوصى بينه بالطّعان و بالضّرب
و لسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا* * * و لا نشتكي ما إن ينوب من النّكب
و لكنّنا أهل الحفائظ و النّهى* * * إذا طار أرواح الكماة من الرّعب
[١] قال ابن إسحاق و غيره: فأقاموا على ذلك ثلاث سنين حتى جهدوا، و لا يصل إليهم شيء إلا سرّا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش.
و قد كان أبو جهل لقي حكيم بن حزام معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة و هي مع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الشّعب، فتعلّق به و قال: أ تذهب بالطعام إلى بني هاشم؟! لا تذهب أنت و طعامك حتى أفضحك بمكة. فقال له أبو البختريّ ابن هشام بن الحارث- و هلك كافرا-: طعام كان لعمّته عنده أ فتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلّ سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال كلّ واحد منهما من صاحبه فأخذ أبو البختريّ لحي بعير فضربه به فشجّه و وطئه وطئا شديدا، و حمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك و هم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه فيشمتوا بهم.
و كان أبو طالب في طول مدتهم في الشّعب يأمر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا أو غائلة فإذا نام أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمّه فاضطجع على فراش رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أمر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليه.
[١] انظر الروض الآنف ٢/ ١٠٢، ١٠٣ و البداية و النهاية ٣/ ٨٧.