سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٨ - الباب الخامس عشر في عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى و الفتنة
و روى البلاذري عن مجاهد قال: جعلوا في عنق بلال حبلا و أمروا صبيانهم أن يشتدّوا به بين أخشبي مكة- يعني جبليها- ففعلوا ذلك و هو يقول: أحد أحد.
و روى ابن سعد عن عروة قال: كان بلال من المستضعفين من المؤمنين و كان يعذّب حين أسلم ليرجع عن دينه فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون، و كان الذي يعذبه أمية بن خلف الجمحي.
و روى البلاذري عن عمير بن إسحاق قال: كان بلال إذا اشتدّ عليه العذاب قال: أحد أحد. فيقولون له: قل كما نقول فيقول: إن لساني لا ينطق به و لا يحسنه.
قال البلاذريّ: و روي أن بلالا قال: أعطشوني يوما و ليلة ثم أخرجوني فعذّبوني في الرمضاء في يوم حارّ.
قال ابن إسحاق: و حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمرّ ببلال و هو يعذّب و هو يقول: أحد أحد. فيقول ورقة: أحد أحد و اللَّه يا بلال. ثم يقبل على أمية بن خلف و من يصنع ذلك به من بني جمح فيقول: أحلف باللَّه لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا.
حتى مرّ أبو بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنهما و هم يصنعون به ذلك، و كانت دار أبي بكر في بني جمح فقال أبو بكر لأمية: ألا تتقي اللَّه في هذا المسكين حتى متى تعذبه؟ قال أنت أفسدته فأنقذه مما ترى. قال أبو بكر: أفعل. عندي غلام أسود أجلد منه و أقوى على دينك أعطيكه به. قال: قد قبلت. قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك و أخذ بلالا فأعتقه.
و روى البلاذري بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال: لمّا أسلم بلال أخذه أهله فقمطوه و ألقوا عليه من البطحاء، و جعلوا يقولون: ربّك اللات و العزى. فيقول أحد أحد. فأتى عليه أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه فقال: علام تعذّبون هذا الإنسان؟ فاشتراه بسبع أواقيّ و أعتقه.
فذكر ذلك للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه قد اشتراه فقال: الشركة يا أبا بكر. فقال: قد أعتقته يا رسول اللَّه.
و روى البلاذري بسند جيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالا بخمس أواقي.
و منهم خبّاب بن الأرتّ بالمثناة الفوقية.
قال البلاذري: قالوا كان الأرت سواديا، فأغار قوم من ربيعة على الناحية التي كان فيها فسبوه و أتوا به الحجاز فباعوه فوقع إلى سباع بن عبد العزى الخزاعي حليف بني زهرة. و زعم أبو اليقظان أن خبّابا كان أخا سباع لأمّه.
قال البلاذري: و خبّاب فيما يقول ولده: ابن الأرتّ بن جندلة بن سعد بن خزيمة، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، و إنه وقع عليه سبي فصار إلى أم أنمار مولاته فأعتقته و إنه كانت به رتّة، كان ألكن إذا تكلم بالعربية فسمي الأرتّ.