سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٨ - تنبيهات
الثاني عشر: قال السّهيلي: خصّ الذهب لكونه مناسبا للمعنى الذي أريد به فإن نظرت إلى لفظ الذّهب فمطابق للذّهاب، فإن اللَّه تعالى أراد أن يذهب عنه الرجس و يطهره تطهيرا و إن نظرت إلى معنى الذّهب و أوصافه و جدته أنقى شيء و أصفاه يقال في المثل: «أنقى من الذهب» و قالت بريرة في عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ما أعلم عليها إلا ما يعلم الصّائغ على الذهب الأحمر. و قال حذيفة رضي اللَّه تعالى عنه في صلة- بكسر الصّاد المهملة- ابن أشيم- بالشين المعجمة- وزن أعلم: إنما قلبه ذهب. و قال جرير بن حازم (رحمه اللّه تعالى)، و هو بالحاء المهملة و الزاي، في الخليل بن أحمد: إنه لرجل من ذهب. يريد النقاء من العيوب.
فقد طابق طست الذهب ما أريد بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من نقاء قلبه.
و من أوصاف الذهب أيضا المطابقة لهذا المقام: ثقله و رسوبه فإنه يجعل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيرسب. و اللَّه سبحانه و تعالى يقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل ٥] و قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: إنما ثقلت موازين المحقّين يوم القيامة لاتباعهم الحق و حقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. و قال في أهل الباطل بعكس ذلك.
و قد روى أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنزل عليه الوحي و هو على ناقته فثقل عليها حتى ساخت قوائمها في الأرض. فقد طابقت الصفة المعقولة الصفة المحسوسة.
و من أوصاف الذهب أيضا: أنه لا تأكله النّار، و كذلك القرآن لا تأكل النار يوم القيامة قلبا وعاه و لا بدنا عمل به. قال (عليه الصلاة و السلام): «لو كان القرآن في إهاب ثم طرح في النار ما احترق [١]».
و من أوصاف الذهب المناسبة لأوصاف القرآن و الوحي: أن الأرض لا تبليه و أن الهواء لا يذريه و كذلك القرآن لا يخلق على كثرة الردّ و لا يستطاع تغييره و لا تبديله.
و من أوصافه أيضا: نفاسته و عزته عند الناس. و كذلك القرآن و الحق عزيزان، قال تعالى:
وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ [فصلت ٤١.]
فهذا إذا نظرت إلى أوصافه و لفظه فإن نظرت إلى ذاته و ظاهره فإنه زخرف الدنيا و زينتها، و قد فتح بالقرآن و الوحي على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أمته خزائن الملوك و تصيير ذلك إلى أيديهم
[١] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٥٥ و الطبراني في الكبير ٦/ ٢١٢ و ابن عدي في الكامل ١/ ٤٦ و العقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٩٥ و ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٦١ و عزاه لأحمد و أبو يعلى و الطبراني و قال: فيه ابن لهيعة و فيه خلاف و فسره بعض رواة أبي يعلى بأن من جمع القرآن ثم دخل النار فهو شر من الخنزير.