سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٣ - الباب العاشر في أسئلة المشركين رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أنواعا من الآيات و خرق العادات على وجه العناد لا على وجه الهدى و الرشاد
بالناصية لنجرّن بناصيته إلى النار ناصِيَةٍ بدل نكرة من معرفة كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وصفها بذلك مجازا و المراد صاحبها. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أي أهل ناديه و هو المجلس ينتدى أي يتحدث فيه القوم. و كان قال للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة: لقد علمت ما بها أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا، و رجالا مردا.
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ الملائكة الغلاظ الشداد لإهلاكه، في الحديث:
لو دعا نَاديهَ لأَخذته الزبانية عياناً.
كَلَّا ردع له لا تُطِعْهُ يا محمد في ترك الصلاة وَ اسْجُدْ صلّ للَّه وَ اقْتَرِبْ منه بطاعته.
و روى أبو يعلي و أبو نعيم عن الزبير بن العوام [١] رضي اللَّه تعالى قال: لما نزلت:
وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صاح رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على أبي قبيس: يا آل عبد مناف إني نذير. فجاءته قريش فحذّرهم و أنذرهم قالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك و إن سليمان سخّر له الريح و الجبال، و إن موسى سخّر له البحر، و إن عيسى كان يحيي الموتى، فادع اللَّه أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها و تغنينا عن رحلة الشتاء و الصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم. فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي فلما سرّى عنه قال: و الذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم و لو شئت لكان، و لكنه خيّرني بين أن تدخلوا باب الحرمة فيؤمن منكم و بين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلّوا عن باب الرحمة و لا يؤمن منكم، فاخترت باب الرحمة فيؤمن منكم، و أخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم به يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين.
فنزلت: وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ حتى قرأ ثلاث آيات. وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ
الآية [٢].
و روى الإمام أحمد و النسائي و الحاكم و الضياء في صحيحه عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: سأل أهل مكة رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يجعل لهم الصفا ذهبا و أن ينحّي عنهم الجبال فيزرعون، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام و يقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا فمن كفر منهم بعد ذلك عذّبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، و إن شئت
[١] الزبير بن العوّام بن خويلد بن عبد العزى بن قصيّ بن كلاب، أبو عبد الله القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قتل سنة ست و ثلاثين بعد منصرفه من وقعة الجمل. [التقريب ١/ ٢٥٩.] و سيأتي مفصلا.
[٢] أخرجه أبو يعلى في المسند ٢/ ٤١ (١٤- ٦٧٩) و ذكره الهيثمي في المجمع ٧/ ٥٨ و قال: رواه أبو يعلى من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم و كلاهما وثق و قد ضعفهما الجمهور و ذكره السيوطي في الدر ٤/ ٦٢ و عزاه لأبي نعيم في الدلائل و ابن مردويه.