سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٣ - تنبيهات في بعض فوائد الحديث
قال الحافظ: و إنما أفرد الطائفتين الأولتين الممدوحتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، و أفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النّفع بها.
ثم ظهر لي أن في كل مثل طائفتين، فالأول قد أوضحناه و الثاني: الأول منه من دخل في الدين و لم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به و لم يعلمه، و أشير إليها
بقوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «من لم يرفع بذلك رأسا»
[١] أي أعرض عنه فلم ينتفع به و لا نفع. و الثانية منه: من لم يدخل في الدين أصلا بل بلغه فكفر به، و مثالها الأرض الصمّاء الملساء المستوية التي تمرّ عليها الماء فلا تنتفع به، و أشير إليها
بقوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «و لم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به».
و قال الطّيبيّ: قال المطهّريّ: اعلم أنه ذكر في الأرض ثلاثة أقسام، و في تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين: أحدهما من فقه في دين اللَّه إلى آخره. و الثاني: من لم يرفع بذلك رأسا، يعني تكبّر و لم يقبل الدّين، يقال: لم يرفع فلان رأسه بهذا أي لم يلتفت إليه من غاية تكبّره، و إنما ذكره كذلك لأن القسم الأول و الثاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث إنه ينتفع به و الثاني لا ينتفع به، و كذلك الناس قسمان: أحدهما من يقبل العلم و أحكام الدين.
و الثاني: من لا يقبلهما، و هذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين: أحدهما ينتفع به و الثاني لا ينتفع به. و أما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام: فمنهم من يقبل العلم بقدر ما يعمل به و لم يبلغ درجة الفتوى و التدريس و إفادة الناس فهو القسم الأول، و منهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به و بلغ أيضا درجة الفتوى و التدريس و إفادة الناس، فهو القسم الثاني، و منهم من لا يقبل العلم، و هو القسم الثالث.
قال الطيّبيّ: اتفق الشارحون على هذا الوجه الثاني، و ظاهر الحديث ينصر الوجه الأول، لأن الشّطر الأول من التمثيل مركب من أمرين، و ذلك أن
«أصاب منها طائفة»
معطوف على
«أصاب أرضا»
و الضمير في منها يرجع إلى مطلق الأرض المدلول عليه بقوله أرضا، ثم قسمت الأرض الأولى بحرف التعقيب في
«فكانت»
و عطف كانت على كانت قسمين، فيلزم اشتمال الأرض الأولى على الطائفة الطيبة و على الأجادب، و الثانية على عكسها، فالواو في
«و كانت»
ضمّت وترا إلى وتر، و في «و أصابت» شفعا إلى شفع، نظيره قوله تعالى: وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ [فاطر ١٩] و قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ [الأحزاب ٣٥] قال في الكشاف: الفرق بين عطف الإناث على الذكور و عطف الزوجين على الزوجين أن الإناث و الذكور جنسان مختلفان إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسط العاطف بينهما، و أما العاطف الثاني فمن باب عطف الصفة على
[١] أخرجه البخاري ١/ ٢١١ (٧٩) و مسلم ٤/ ١٧٨٧ (١٥- ٢٢٨٢).