سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - تنبيهات
و عند الطبراني بإسناد فيه من لا يعرف أن سبب إبطاء جبريل كون جرو كلب تحت سريره (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يشعر به، فأبطأ عنه جبريل كذلك.
و قضية إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه السورة شاذ مردود بما في الصحيح، و كلّ ما خالفه فغير ثابت.
العاشر: قال الإسماعيليّ: كان من مقدّمات تأسيس النبوة فترة الوحي ليتدرّج فيه و يتمرّن عليه، فشق عليه فتوره إذا لم يكن خوطب عن اللَّه تعالى بعد: إنك رسول اللَّه و مبعوث إلى العباد، فأشفق أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لم يرد استتمامه، فحزن لذلك، حتى إذا اندرج على احتمال أعباء النبوة و الصبر على ثقل ما يرد عليه فتح اللَّه له من أمره بما فتح.
قال: و مثال ذلك ما وقع له من أول ما خوطب و لم يتحقق الحال على جليّتها مثل رجل سمع آخر يقول: الحمد للَّه. فلم يتحقق أنه يقرأ حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ، و كذا لو سمع قائلا يقول: خلت الديار و لم يتحقق أنه ينشد شعرا حتى يقول:
محلّها و مقامها. انتهى ملخصا.
ثم قال: و أما إرادة إلقاء نفسه من رؤوس الجبال بعد ما نبّئ فلضعف قوته عن حمل ما حمّله عن أعباء النبوة، و خوفا مما حصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعا، كما يطلب الرجل الراحلة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه لو أفضى إلى هلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكّر فيما في صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر و استقرّت نفسه.
قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): أما الإرادة المذكورة أولا: ففي صحيح الخبر أنه كانت حزنا على ما فاته من الأمر الذي بشّره به ورقة. و أما الإرادة الثانية بعد أن تبدّى له جبريل و قال له: أنت رسول اللَّه حقا فيحتمل ما قاله.
و الذي يظهر لي أنه بمعنى الذي قبله. و أما المعنى الذي ذكره الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجيء جبريل، و يمكن أن يؤخذ مما
رواه الطبراني من طريق النعمان بن راشد عن ابن شهاب فذكر نحو حديث البخاري و فيه: فقال: يا محمد أنت رسول اللَّه حقا. قال:
فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق الجبل أي من علوّه.
انتهى.
الحادي عشر: في بيان غريب ما تقدم:
عدا: بعين مهملة: من العدو و هو الذهاب بسرعة، و بإعجامها من الذهاب غدوة.
يتردّى: يسقط.
شواهق: جمع شاهق و هو الجبل العالي.