السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٧ - غزوة خيبر
فأنا في حل إن أنا نلت منك و قلت شيئا، فأذن له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يقول ما شاء، فقال لامرأته حين قدم: أخفي عليّ، و اجمعي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد و أصحابه، فإنهم قد استبيحوا، و أصيبت أموالهم، ففشا ذلك بمكة، فاشتد ذلك على المسلمين، و أظهر المشركون فرحا و سرورا، و بلغ العباس رضي اللّه تعالى عنه الخبر، فقعد و جعل لا يستطيع أن يقوم، فأرسل العباس رضي اللّه تعالى عنه غلاما له إلى الحجاج: ويلك ما تقول فالذي وعد اللّه خير مما جثت به، فقال حجاج: يا غلام أقرئ أبا الفضل السلام، و قل له: فليخل بي في بعض بيوته فآته بالخبر على ما يسره. فلما بلغ العبد باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحا حتى قبل ما بين عينيه، فأخبره بقول حجاج فأعتقه. ثم جاء حجاج، فأخبره بافتتاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خيبر و غنم أموالهم، و أن سهام اللّه قد جرت فيها، و أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اصطفى صفية بنت حيي لنفسه، و خيرها بين أن يعتقها و تكون له زوجة أو يلحقها بأهلها فاختارت أن يعتقها و تكون له زوجة، و لكن جئت لمالي هاهنا أن أجمعه و أذهب به، و إني استأذنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن أقول، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عليّ يا أبا الفضل ثلاثا ثم اذكر ما شئت. قال: فجمعت له امرأته متاعه، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس رضي اللّه تعالى عنه امرأة حجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، و قالت: لا يحزنك اللّه يا أبا الفضل، لقد شقّ علينا الذي بلغك، فقال: أجل، لا يحزنني اللّه، فلم يكن لمحمد إلا ما أحب، فتح اللّه على يد رسوله خيبر، و اصطفى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صفية لنفسه، فإن كان لك في زوجك حاجة فالحقي به، قالت: أظنك و اللّه صادقا، قال: فإني و اللّه صادق، و الأمر على ما أقول. ثم ذهب حتى أتى مجلس قريش الحديث.
قال: و لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خيبر كان التمر أخضر، فأكثر الصحابة من أكله، فأصابتهم الحمى، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: برّدوا لها الماء في الشنان:
أي القرب، ثم صبوا عليكم منه بين أذاني الفجر، و اذكروا اسم اللّه عليه، ففعلوا، فذهبت عنهم.
و عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه تعالى عنه: أصابتني ضربة يوم خيبر، قال الناس: أصيب سلمة بن الأكوع، فأتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فنفث فيها ثلاث نفثات فما اشتكيت منها ساعة.
و في هذه الغزوة أراد (صلى اللّه عليه و سلم) أن يتبرز، فقال لابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه: يا عبد اللّه انظر هل ترى شيئا؟ فنظرت فإذا شجرة واحدة فأخبرته، فقال لي: انظر هل ترى شيئا؟ فنظرت شجرة أخرى متباعدة من صاحبتها، فأخبرته، فقال: قل لهما إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأمركما أن تجتمعا، فقلت لهما ذلك فاجتمعا، فاستتر بهما، ثم قام