السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٦ - غزوة خيبر
يسركم، فاجتمعوا عليّ يقولون: إيه يا حجاج؟ فقلت لهم: لم يلق محمد و أصحابه قوما يحسنون القتل غير أهل خيبر، فهزم هزيمة لم يسمع بمثلها قط و أسر محمد و قالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فنقلته بين أظهرهم.
و في لفظ: يقتلونه بمن كان أصاب من رجالهم، فصاحوا و قالوا لأهل مكة: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال حجاج: و قلت لهم أعينوني على غرمائي، أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد و أصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هناك، فجمعوا لي مالي على أحسن ما يكون، ففشا ذلك بمكة و أظهر المشركون الفرح و السرور، و انكسر من كان بمكة من المسلمين، و سمع بذلك العباس بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه، فجعل لا يستطيع أن يقوم، ثم بعث إلى حجاج غلاما و قال: قل له: يقول لك العباس: اللّه أعلى و أجل من أن يكون الذي جئت به حقا، فقال له حجاج: أقرأ على أبي الفضل السلام و قل له ليخل لي بعض بيوته لآتيه بالخبر على ما يسره، و اكتم عني، فأقبل الغلام، فقال: أبشر أبا الفضل، فوثب العباس فرحا كأن لم يمسه شيء و أخبره بذلك فأعتقه العباس رضي اللّه تعالى عنه و قال: للّه عليّ عتق عشر رقاب.
فلما كان ظهرا جاءه حجاج فناشده اللّه أن يكتم عنه ثلاثة أيام، أي و قال إني أخشى الطلب، فإذا مضت ثلاث، فأظهر أمرك، فوافقه العباس على ذلك فقال: إني قد أسلمت، و إن لي مالا عند امرأتي و دينا على الناس، و لو علموا بإسلامي لم يدفعوه إليّ، إني تركت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد فتح خيبر و جرت سهام اللّه و سهام رسوله فيها، و تركته عروسا بابنة ملكهم حيي بن أخطب، و قتل ابن أبي الحقيق.
فلما أمسى حجاج خرج و طالت على العباس تلك الليالي الثلاث، فلما مضى حجاج أي و مضت الثلاث عمد العباس رضي اللّه عنه إلى حلة فلبسها، و تخلق بخلوق و أخذ بيده قضيبا، ثم أقبل يخطر حتى أتى مجالس قريش و هم يقولون إذ مرّ بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، هذا و اللّه التجلد بحرّ المصيبة، قال: كلا الذي حلفتم به لم يصبني إلا خير بحمد اللّه، أخبرني حجاج أن خيبر فتحها اللّه على يد رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، و جرت فيها سهام اللّه و سهام رسول اللّه، و اصطفى رسول اللّه صفية بنت ملكهم حيي بن أخطب لنفسه، و أنه تركه عروسا بها، أي و إنما قال ذلك لكم ليخلص ماله، و إلا فهو ممن أسلم، فرد اللّه الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، فقال المشركون: ألا يا عباد اللّه انفلت عدو اللّه، يعنون حجاجا، أما و اللّه لو علمنا لكان لنا و له شأن، و لم يلبثوا إن جاءهم الخبر بذلك هذا.
و في الدلائل للبيهقي (رحمه اللّه): لما فتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خيبر قال حجاج بن علاط: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إن لي بمكة مالا، و إن لي بها أهلا. و أنا أريد أن آتيهم،