السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٧ - حجة الوداع
حرام، قال: فإن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا» أعادها مرارا «ثم رفع (صلى اللّه عليه و سلم) رأسه و قال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» و أمرهم (صلى اللّه عليه و سلم) بأخذ مناسكهم عنه لعله لا يحج بعد عامه ذلك، و كان وقوفه (صلى اللّه عليه و سلم) بين الجمرات و الناس بين قائم و قاعد.
و جاء: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) خطب في اليوم الأول و اليوم الثاني من أيام التشريق و هو أوسطها، و يقال له يوم النفر الأول لجواز النفر فيه كما يقال لليوم الثالث في أيام التشريق يوم النفر الآخر.
ثم انصرف (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المنحر بمنى فنحر ثلاثا و ستين بدنة، أي و هي التي قدم بها من المدينة و ذلك بيده الشريفة لكل سنة بدنة. قال بعضهم. و في ذلك إشارة إلى منتهى عمره (صلى اللّه عليه و سلم)، لأن عمره (صلى اللّه عليه و سلم) كان في ذلك اليوم ثلاثا و ستين سنة، فنحر (صلى اللّه عليه و سلم) بيده الشريفة لكل سنة بدنة، و طبخ له اللحم من لحمها، و أكل منه: أي أخذ من كل بدنة بضعة، فجعل ذلك في قدر و طبخ، فأكل من ذلك اللحم و شرب من مرقته، ثم أمر (صلى اللّه عليه و سلم) عليا (كرم اللّه وجهه) فنحر ما بقي و هو تمام المائة، أي و لعله الذي أتى به عليّ (كرم اللّه وجهه) من اليمن هذا.
و جاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال: «أهدى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في هذه حجة الوداع مائة بدنة نحر منها ثلاثين بدنة، ثم أمر (صلى اللّه عليه و سلم) عليا فنحر ما بقي منها و قال له اقسم لحومها و جلودها و جلالها بين الناس، و لا تعط جزارا منها شيئا، و خذ لنا من كل بعير جذية من لحم و اجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها و نحثو من مرقها ففعل، و أخبر (صلى اللّه عليه و سلم) أن منى كلها منحر، و أن فجاج مكة كلها منحر. ثم حلق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رأسه الشريف: أي حلقه معمر بن عبد اللّه و قال له: هنا و أشار بيده إلى الجانب الأيمن، فبدأ بشقه الأيمن فحلقه ثم بشقه الأيسر، و قسم شعره فأعطى نصفه لأبي طلحة الأنصاري»: أي شعر نصف رأسه الأيسر «بعد أن قال: هاهنا أبو طلحة» و قيل أعطاه لأم سليم زوج أبي طلحة رضي اللّه عنهما، و قيل لأبي كريب:
«و أعطى من نصفه الثاني» أي الذي هو الأيمن: «الشعرة و الشعرتين للناس».
و في رواية: «ناول (صلى اللّه عليه و سلم) الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناول الحلاق الشق الأيسر فحلقه و أعطاه أبا طلحة، و قال: اقسمه بين الناس».
قال في النور: و الحاصل أن الروايات اختلفت في مسلم. ففي بعضها أنه أعطاه الأيسر، و في بعضها أنه أعطاه الأيمن. و رجح ابن القيم أن الذي اختص به أبو طلحة هو الشق الأيسر.