السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٥ - حجة الوداع
تجتمع أعياد لأهل الملل في يوم قبله و لا بعده.
و لما نزلت بكى عمر رضي اللّه تعالى عنه، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «ما يبكيك يا عمر؟ فقال رضي اللّه تعالى عنه: أبكاني أنا كنا في زيادة، أما إذا كمل فإنه لا يكمل شيء إلا نقص، فقال: صدقت». فكانت هذه الآية نعي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فإنه لم يعش بعدها إلا ثلاثة أشهر و ثلاثة أيام، و لم ينزل بعدها شيء من الأحكام.
ثم أردف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنه خلفه و دفع إلى مزدلفة و قد ضم زمام راحلته القصواء التي خطب عليها في نمرة حتى أن رأسها ليصيب طرف رجليه، يسير العنق، حتى إذا وجد فسحة سار النص و هو فوق العنق، و هو يأمر الناس بالسكينة في السير، فلما كان في الطريق عند الشعب الأبتر نزل فيه فبال و توضأ وضوءا خفيفا، ثم ركب حتى أتى المزدلفة التي هي جمع، أي و تقدم أن وقوفه (صلى اللّه عليه و سلم) بعرفات و إفاضته إلى مزدلفة قبل أن يبعث كان مخالفا في ذلك لقوله:
«و صلى المغرب و العشاء مجموعتين في وقت العشاء» أي مقصورتين بأذان واحد و إقامتين، ثم اضطجع و أذن للنساء و الضعفة: أي الصبيان أن يرموا ليلا، أي أن يذهبوا من مزدلفة إلى منى بعد نصف الليل بساعة ليرموا جمرة العقبة قبل الزحمة.
و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: «فجعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوصيهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس» فليتأمل ذلك. فعن عائشة رضي اللّه عنها «أن سودة رضي اللّه عنها: أفاضت في النصف الأخير من مزدلفة بإذن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يأمرها بالدم و لا النفر الذين كانوا معها» و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: أنا ممن قدم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في ضعفه أهله و روى ذلك الشيخان. و لم يأذن (صلى اللّه عليه و سلم) للرجال في ذلك إلا لضعفائهم و لا لغير ضعفائهم، أي فالمراد بالضعفة الصبيان كما تقدم، و بهذا استدل أئمتنا على أنه يستحب تقديم النساء و الضعفة بعد نصف الليل إلى منى أي و أن يبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغسلين.
و في البخاري عن عائشة رضي اللّه تعالى عنه: «أنها قالت: فلأن أكون استأذنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما استأذنت سودة أحب إليّ من مفروح به، أي لأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس» و في لفظ: «قبل حطمة الناس» لأن سودة رضي اللّه عنها كانت امرأة ضخمة ثقيلة، فاستأذنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن تفيض من مزدلفة مع النساء و الضعفة.
و في مسلم: «مضت أم حبيبة من جمع بليل» أي في نصف الليل. و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال «أرسلني (صلى اللّه عليه و سلم) مع ضعفة أهله، فصلينا الصبح بمنى و رمينا الجمرة، فلما كان وقت الفجر قام (صلى اللّه عليه و سلم) و صلى بالناس أي بالمزدلفة الصبح مغلسا ثم أتى المشعر الحرام فوقف به: أي و هو راكب ناقته، و استقبل القبلة، و دعا اللّه، و كبر، و هلل و وحد، و لم يزل واقفا حتى أسفر جدا» و جاء: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دعا بالمغفرة