السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١١ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) [فصّلت: الآية ٤٦] قال الجارود: يا محمد إن كنت نبيا فأخبرنا عما أضمرنا عليه، فخفق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خفقة كأنها سنة ثم رفع رأسه الشريف و العرق يتحدر عنه، فقال: أما أنت يا جارود، فإنك أضمرت أن تسألني عن دماء الجاهلية، و عن حلف الجاهلية، و عن المنيحة. ألا و إن دم الجاهلية موضوع و حلفها مردود، و لا حلف في الإسلام. ألا و إن أفضل الصدقة أن تمنح أخاك ظهر دابة أو لبن شاة، فإنها تغدو برفدة و تروح بمثله. و أما أنت يا سلمة فإنك أضمرت على أن تسألني عن عبادة الأوثان، و عن يوم السباسب، و عن عقل الهجين. فأما عبادة الأوثان فإن اللّه تعالى يقول: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) [الأنبياء: الآية ٩٨] و أما يوم السباسب فقد أعقبه اللّه ليلة خيرا من ألف شهر، فاطلبوها في العشر الأواخر من رمضان، فإنها ليلة بلجة سمحة لا ريح فيها، تطلع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها. و أما عقل الهجين، فإن المؤمنين إخوة تتكافأ دمائهم، يجير أقصاهم على أدناهم، أكرمهم عند اللّه أتقاهم، فقالا: نشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أنك عبده و رسوله انتهى.
و ذكر في السيرة الهشامية في وفد عبد القيس أنه كان قبل فتح مكة، و ذكر ما حاصله: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بينما هو يحدّث أصحابه، إذ قال لهم: سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق» و في رواية: «ليستبين ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام قد أنضوا» أي أهزلوا «الركائب، و أفنوا الزاد، اللهم اغفر لعبد القيس، فقام عمر رضي اللّه تعالى عنه، فتوجه نحو مقدمهم، فلقي ثلاثة عشر راكبا، و قيل كانوا عشرين راكبا، و قيل كانوا أربعين رجلا، فقال: من القوم؟ قالوا: من بني عبد القيس، فقال: أما إن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قد ذكركم آنفا، فقال خيرا، ثم مشى معهم حتى أتوا النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم بباب المسجد بثياب سفرهم، و تبادروا يقبلون يده (صلى اللّه عليه و سلم) و رجله، و كان فيهم عبد اللّه بن عوف الأشج، و هو رأسهم، و كان أصغرهم سنا، فتخلف عند الركائب حتى أناخها و جمع المتاع، و ذلك بمرأى من النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و أخرج ثوبين أبيضين لبسهما، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقبلها، و كان رجلا دميما ففطن لنظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى دمامته، فقال: يا رسول اللّه إنه لا يستقي أي يشرب في مسوك: أي جلود الرجال، و إنما يحتاج الرجل من أصغريه لسانه و قلبه. فقال له رسول اللّه: إن فيك خلتين يحبهما اللّه و رسوله: الحلم و الأناة، فقال: يا رسول اللّه أتخلق بهما أم اللّه جبلني عليهما؟ قال: لا، بل اللّه تعالى جبلك عليهما، فقال:
الحمد للّه الذي جبلني على خلتين يحبهما اللّه و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)» و الأناة على وزن قناة:
التؤدة. و قد جاء: «التؤدة و الاقتصاد و السمت الحسن جزء من أربعة و عشرين جزءا من النبوة».